وهو صب اللبن في الانف ليصل الدماغ يحرم أيضا ( على المذهب ) لحصول التغذي بذلك ، لأن الدماغ جوف له كالمعدة .
والطريق الثاني فيه قولان ، كالحقنة المذكورة في قوله : ( لا حقنة ) وهي ما يدخل في الدبر أو القبل من دواء فلا يحرم ( في
الأظهر ) لانتفاء التغذي لأنها لاسهال ما انعقد في المعدة . والثاني : تحرم كما يحصل بها الفطر . ودفع بأن الفطر يتعلق
بالوصول إلى جوف وإن لم يكن معدة ولا دماغا بخلافه هنا ، ولهذا لم يحرم التقطير في الاذن أو الجراحة إذا لم يصل
إلى المعدة ، ولا بد أن يكون من منفذ مفتوح فلا يحرم وصوله إلى جوف أو معدة بصبه في العين بواسطة المسام . ثم
شرع في الركن الثالث ، وهو الرضيع ، فقال : ( وشرطه ) أي ركنه ( رضيع ) وله شروط شرع في ذكرها بقوله : ( حي )
حياة مستقرة ، فلا أثر لوصول اللبن إلى جوف الميت بالاتفاق لخروجه عن التغذية ونبات اللحم ، وكذا إذا انتهى إلى
حركة مذبوح ، فإن حكمه حكم الميت .
تنبيه : لو قال المصنف : وشرطه حياة رضيع لاستغنى عما قدرته . ( لم يبلغ سنتين ) بالأهلة ، فإن انكسر
الشهر الأول ثم عدده ثلاثين من الشهر الخامس والعشرين ، فإن بلغهما لم يحرم ارتضاعه لقوله تعالى : * ( والوالدات
يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) * ، جعل تمام الرضاعة في الحولين فأفهم بأن الحكم بعد
الحولين بخلافه ، ولخبر : لا رضاع إلا ما كان في الحولين رواه الدارقطني وغيره ، وما في مسلم : أن امرأة
أبي حذيفة قالت : يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شئ ، فقال رسول الله ( ص )
: أرضعيه - أي خمس رضعات - حتى يدخل عليك فهو رخصة خاصة بسالم كما قاله الشافعي رضي الله تعالى
عنه . وقال ابن المنذر : ليس يخلو أند يكون منسوخا أو خاصا بسالم كما قالت أم سلمة وسائر أزواج النبي ( ص )
، وهن بالخاص والعام والناسخ والمنسوخ أعلم .
تنبيه : ابتداء الحولين من تمام انفصال الرضيع كما في نظائره ، فإن ارتضع قبل تمامه لم يؤثر ، وقول الزركشي :
والأشبه ترجيح التأثير لوجود الرضاع حقيقة ، وهو قياس ما صححه فيمن انفصل بعضه فحز جان رقبته وهو حي من
أنه يضمن بالقود أو الدية ، وعليه تحسب المدة من حين ارتضع ، ممنوع لما فيه من ارتكاب إحداث قول ثالث ، إذ المحكي
في ابتداء المدة وجهان : ابتداء الخروج وانتهاؤه ، وبذلك فارق مسألة الحز مع أنها خارجة عن نظائرها على اضطراب
فيها استصحابا للضمان في الجملة ، إذ الجنين يضمن بالغرة . وكلام المصنف يقتضي أنه لو تم الحولان في الرضعة
الأخيرة لا تحريم وهو ظاهر نص الام وغيره ، ولكن المذهب كما في التهذيب وجرى عليه ابن المقري أنه لا يحرم لأن
ما يصل إلى الجوف في كل رضعة غير مقدر ، كما لو قالوا لم يحصل في جوفه إلا خمس قطرات في كل رضعة قطرة حرم .
( وخمس رضعات ) لما روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها : كان فيما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات
يحرمن فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله ( ص ) وهن فيما يقرأ من القرآن أي يتلى حكمهن أو يقرؤهن من لم
يبلغه النسخ لقربه . وقيل : يكفي رضعة واحدة ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ، لعموم قوله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي
أرضعنكم ) * . وأجاب الأول بأن السنة تثبت كآية السرقة . ولم يأخذ الشافعي رضي الله تعالى عنه في هذا بقاعدته
وهي الاخذ بأقل ما قيل : لأن شرط ذلك عنده أن لا يجد دليلا سواه ، والسنة ناصة على الخمس لأن عائشة رضي
الله عنها لما أخبرت أن التحريم بالعشرة منسوخ بالخمس دل على ثبوت التحريم بالخمس لا بما دونها ، ولو وقع التحريم
بأقل منها بطل أن يكون الخمس ناسخا وصار منسوخا كالعشر . فإن قيل : القرآن لا يثبت بخبر الواحد فلا يحتج به .
أجيب بأنه وإن لم يثبته قرآنا بخبر الواحد لكن ثبت حكمه والعمل به ، فالقراءة الشاذة منزل منزلة الخبر . وقيل :
يكفي ثلاث رضعات لمفهوم خبر مسلم : لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان وإنما قدم مفهوم الخبر الأول على هذا لاعتضاده
بالأصل ، وهو عدم التحريم . ولا يشترط اتفاق صفات الرضعات بل لو أوجر مرة وسعط مرة وارتضع مرة
وأكل مما صنع منه مرتين ثبت التحريم . قيل : الحكمة في كون التحريم بخمس أن الحواس التي هي سبب الادراك خمس .
مغني المحتاج — صفحة 416
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤١٦