قال أبو محمد : ويعطى من الزكاة الكثير جدا والقليل ، لاحد في ذلك ، إذ لم يوجب
الحد في ذلك قرآن ولا سنة .
724 مسألة قال أبو محمد : إظهار الصدقة الفرض والتطوع من
غير أن ينوى بذلك رياء حسن ، وإخفاء كل ذلك أفضل . وهو قول أصحابنا .
وقال مالك : إعلان الفرض أفضل .
قال أبو محمد : وهذا فرق لا برهان على صحته ، قال الله عز وجل : ( إن تبدوا
الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) .
فان قالوا : نقيس ذلك على صلاة الفرض . قلنا : القياس كله باطل ، فان قلتم : هو
حق ، فأذنوا للزكاة كما يؤذن للصلاة ! ! ومن الصلاة غير الفرض ما يعلن بها كالعيدين ،
والكسوف ، وركعتي دخول المسجد ، فقيسوا صدقة التطوع على ذلك .
725 مسألة قال أبو محمد ( 1 ) : وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن
يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان على ذلك ، وإن لم تقم الزكوات بهم ، ولا في سائر
أموال المسلمين بهم ، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ، ومن اللباس للشتاء
والصيف بمثل ذلك ، وبمسكن يكنهم من المطر ، والصيف ( 2 ) ، والشمس وعيون المارة ( 3 ) .
برهان ذلك قول الله تعالى ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) . وقال
تعالى : ( وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار
الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ) .
فأوجب تعالى حق المساكين ، وابن السبيل ، وما ملكت اليمين ( 4 ) مع حق ذي القربى
وافترض الاحسان إلى الأبوين ، وذي القربى ، والمساكين ، والجار ، وما ملكت اليمين ،
والاحسان يقتضى كل ما ذكرنا ، ومنعه إساءة بلا شك .
هامش
( 1 ) قوله ( قال أبو محمد ) زيادة من النسخة رقم ( 14 )
( 2 ) كلمة ( الصيف ) زيادة من النسخة رقم ( 14 )
( 3 ) من هذا ومن أمثاله في الشريعة الاسلامية يرى المنصف ان التشريع الاسلامي في الذروة العليا من الحكمة والعدل ، وليت إخواننا الذين غرتهم القوانين الوضعية وأشربتها نفوسهم يطلعون على هذه الحقائق ويتفقهونها ليروا ان دينهم جائهم بأعلى أنواع التشريع في الأرض ، تشريع يشبع القلب والروح ، ويطبق في كل مكان وكل زمان و ، ان هو الا وحى يوحى ، ولوفقه المسلمون أحكام دينهم ورجعوا إلى استنباطها من المنبع الصافي والمورد العذب - الكتاب والسنة - وعملوا
بما يأمرهم به ربهم في خاصة نفسهم وفي أمورهم العامة وفي أحوال اجتماعهم - : لو عملوا هذا لكانوا سادة الأمم ، وهل قامت الثورات المخربة الهادمة ، والفتن المهلكة الا من ظلم الغنى للفقير ومن استئثاره بخير الدنيا وبجواره اخوه يموت جوعا وعريا ، والمثل كثيرة ، ولو فقه الأغنياء لعلموا ان أول ما يحفظ عليهم أموالهم اسداء المعروف للفقراء ، بل القيام نحوهم بما أوجبه الله على الأغنياء ، فليفقهوا وليعلموا ويعملوا ، فقد جاءتهم النذر ، هدانا الله جميعا .
( 4 ) قوله ( وما ملكت اليمين ) زيادة من النسخة رقم 45