وهي أن جهة الكلام في ذلك تختلف عن جهة الكلام في ما سبق ،
للاختلاف بينهما في مقام الجعل والامتثال .
أما مقام الجعل فلفرض أن التخيير هناك على تقديره ناشئ عن غرض
واحد ، كما هو ظاهر الخطاب ، فليس هناك إلا تكليف واحد تخييري ناشئ عن
ملاك واحد قائم بكلتا الخصوصيتين ، ومن ثم أمكن هناك فرض تعلق التكليف
بالقدر المشترك بينهما ، وهو - الامر المنتزع منهما المعبر عنه بعنوان أحدهما وإن
كان هو خلاف التحقيق .
بخلاف المقام ، إذ لا إشكال في تعدد التكليف ذاتا ، لتعدد الغرض
الناشئ منهما ، وحينئذ لاوجه لصرف التكليف التخييري إلى القدر المشترك ،
بل ليس المكلف به إلا كلا منهما ، لاختصاص غرضه به .
فلا مجال هنا لما تقدم من بعض مشايخنا هناك من توجيه العمل على
التخيير بلزوم المتيقن والبراءة من التقييد بالخصوصية .
غايته أنه لابد من الالتزام بتقييد التكليف بكل منهما بصورة عدم الاتيان
بالآخر .
وربما قيل بسقوط التكليفين معا والتخيير بين الطرفين عقلا ، وإن كان
الظاهر عدم تمامية ذلك ، لعدم الموجب لسقوط التكليفين رأسا بعد إمكان
الجمع بينهما بالوجه المذكور .
بل لو فرض سقوطهما لم يبق مجال لحكم العقل بالتخيير ، لاختصاصه
بتشخيص الوظيفة في مقام امتثال التكليف بعد الفراغ عن جعله ، فالظاهر أن
تخيير العقل بين الطرفين متفرع على التكليف بهما بالوجه المذكور ، ليكون
راجعا إلى مقام الامتثال .
وأما مقام الامتثال فلانه مع الخروج هناك عن مقتضى التعيين عند
الدوران بينه وبين التخيير لا يعلم بحصول شئ من الغرض ، فلا يعلم بالامتثال ،
المحكم في أصول الفقه — صفحة 452
مساهمون: السيد محمد سعيد الحكيم
ص٤٥٢