له أكلت مغافير ( 1 ) والمغافير ثمر كريه الرائحة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن
يوجد منه رائحة كريهة ، فلما أخبرهن أنه إنما يشرب عسلا ، قلن له أو قال
بعضهن : ( لعل نحله جرس العرفط ) ، أي رعى زهر نبات المغافير ، وهذا الزهر
يسمى العرفط فحرم على نفسه ذلك العسل . .
وكذلك يوم أن جاءت حفصة ، فوجدت مارية مع النبي صلى الله عليه وسلم في
بيتها فغضبت حتى استرضاها بأن حرم مارية على نفسه واستكتمها الأمر
فأبلغته إلى عائشة ، فأنبأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمر وفرض له تحلة يمينه كما في
أول سورة التحريم ، وزجرهن الله أن يفعلن ذلك على ما كان لهن من منزلة
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهددهن بالطلاق وأن يبدله خيرا منهن - وهجرهن
النبي صلى الله عليه وسلم جميعا شهرا ، وأنزل الله في شأنهن هذا قوله سبحانه : ( يا أيها
النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم .
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم . وإذ أسر
النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف
بعضه وأعرض عن بعض ، فلما نبأها به قالت : من أنبأك هذا قال :
نبأني العليم الخبير : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما . وإن تظاهرا
عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك
ظهير . عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات
مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ) ( 2 ) .
هامش
( 1 ) أنظر معنى " المغافير " و " العرفط " في النهاية في غريب الحديث " لابن الأثير "
( 3 / 218 ، 272 ) .
( 2 ) تعدد الروايات في سبب نزول الآيات : هل كان النزول تحريم العسل كما جاء في رواية
الصحيحين وغيرهما : من حديث عائشة - رضي الله عنها - أو تحريم مارية ، كما رواه
النسائي بسند صحيح عن أنس والحاكم عنه وصححه ووافقه الذهبي والدارقطني عن
ابن عباس وأخرج الطبري له شاهدا مرسلا بسند صحيح عن زيد بن أسلم - التابعي
الشهير .
فهذان سببان صحيحان لنزول الآيات ، والجمع ممكن بوقوع القصتين ، قصة العسل ،
وقصة مارية ، وأن القرآن نزل فيهما جميعا ، وفي كل واحد منهما أسر الحديث إلى بعض
أزواجه إلى أن قال " هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية ، ودفع الاختلاف في شأنه
فاشدد عليه يديك لتنجو من الخلط والخبط " .
البخاري رقم ( 5267 ) في ( الطلاق ) باب ( لم تحرم ما أحل الله لك ) فتح الباري
( 9 / 375 ) وفي ( الأطعمة ) باب ( الحلواء والعسل ) وفي ( الأشربة ) باب ( شراب الحلواء
والعسل ) وفي ( الرطب ) باب ( الدواء بالعسل ) وفي ( الحيل ) باب ( ما يكره من احتيال المرأة
مع الزوج والضرائر ) وفي ( التفسير ) ( تفسير سورة التحريم ) .
ومسلم رقم ( 1474 ) في ( الطلاق ) باب ( وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو
الطلاق ) ( 2 / 1100 ) . وأبو داود رقم ( 3715 ) في ( الأشربة ) باب ( شراب العسل ) ،
والنسائي ( 6 / 151 ) والحاكم ( 2 / 493 ) ، الدارقطني ( 4 / 41 ) ، الطبري ( 28 / 90 )