شرح
الأصفهاني : توضيح المقام : أنك قد عرفت : سابقا أن الأغراض المعاملية العقلائية تختلف باختلاف
مقادير الأشياء ، من حيث كيفها خفة وثقلا ، ومن حيث كمها المنفصل عددا ، ومن حيث كمها
المتصل طولا وعرضا . وللحيثية الأولى من الثقل والخفة مراتب معينة يعبر عنها بالمثقال وما دونه
وما فوقه ، المسمي في كل عصر ومصر باسم ، والأحجار المقدرة بتلك المراتب طريق إلى معرفة ما
يوازنها من المقدار في الأشياء التي تقع عليها المعاملة .
وأما المكيال فهو في نفسه لا يكون طريقا إلا إلى معرفة ما يسعه من الحنطة مثلا في قبال مكيال
آخر أضيق منه أو أوسع منه ، وهو غير مجد في معرفة الثقل والخفة اللذين عليهما مدار الأغراض
المعاملية ، فلا محالة يقدر المكيال من حيث إنه يسع مثقال من الحنطة وهذا معنى أصالة الوزن ،
وأن الكيل لا اعتبار به إلا بعد ارجاعه إلى الوزن . إذا عرفت ذلك فاعلم : أن بيع المكيل بالوزن
والموزون بالكيل تارة بعنوان طريقية الوزن إلى الكيل فيما تعارف فيه الكيل أو طريقية الكيل إلى
الوزن فيما تعارف فيه الوزن ، وأخري لا بهذا العنوان ، فإن كان بعنوان الطريقية - والمفروض
طريقية كل منهما إلى الآخر - فالبيع صحيح ، لفرض الطريقية ، وإن كان أحدهما طريقا بالأصالة
والآخر بالعرض وبالتبع ، وهذا فيما يكون التفاوت فيه قابلا للمسامحة واضح ، وفيما لا يقبل
المسامحة لا ريب في صحة بيع المكيل بالوزن ، لانضباط الوزن وإن كان المكيال يتفاوت ما يسعه
من حيث الخفة والثقل ، وأما في بيع الموزون بالكيل بمكيال يتفاوت تفاوتا فاحشا ففيه اشكال ،
وتصحيحه ببناء المتعاملين سيجئ تحقيقه إن شاء الله تعالى .
وإن كان لا بعنوان الطريقية فظاهر المتن الفرق بين المكيل والموزون ، فيصح بيع المكيل وزنا ، ولا
يصح بيع الموزون كيلا ، إذ بعد معرفة مقدار المبيع بالوزن لا حاجة إلى ما تعارف فيه من حيث
الكشف عن المقدار المعلوم بالوزن ، بخلاف الكيل مع فرض عدم كشفه عما تعارف فيه الوزن .