الإسلاميّة التي حفظت ذماء ( 1 ) الفكر على نحو لو لم تكن النجف الأشرف لتغلّبت هذه الرطانة الغاشية ، فطمست على العقول والألسنة ، وقطعت تلك السلسلة المباركة .
وكنت أودّ أن أرى أنّ النجف وقد دخل عليها من التطوّر في أساليب التربية ما يقف أمام التيّارات الحديثة ؛ ليستطيع خرّيجها أن يجاري خرّيجي الجامعات المتطوّرة .
وكنت أتمنّى أن يكون للنجف مناهج رتيبة تقوم على موادّ مفروضة وراء هذه الدروس التي يتلقّاها طالب النجف بغير نظام رتيب .
وكنت آمل أن أجد في النجف مثل هذا الاصلاح من غير أن يؤثّر ذلك على جوهرها ، ولكنّي ما وجدت منه شيئا .
بل وجدت الحماسة والتطوّع للعلم باردين فاترين على وجه ينذر بسوء العاقبة .
ومهما يكن من أسباب ذلك ؛ فإنّ النجف التي طاولت الأيّام بشموخها وجلالتها ما كان لها أن تشيخ ، وتبلغ حدّ البرودة والفتور ، بل كان عليها أن تأخذ بالحزم والحكمة في تجدّد نهضتها بما يعيد إليها نشاط الشباب وفتوّته بماترى ويرى لها أعلامها من وسائل ذلك وأسبابه .
وقد هجس في نفسي أن أدعو إلى ذلك وانادي إليه ، لولا أنّي وجدت هذه المرحلة معقّدة شديدة التعقيد ، ومع ذلك فقد دعوت في بعض المجالس الخاصّة إلى معالجة ما يهول من مستقبل هذا المعهد العزيز وقد أصبح تقريبا منقطع الآخر ؛ إذ لا تجد فيه طبقة من طبقات المبتدئين ، وإذا وجدوا فهم أقلّاء وهم على قلّتهم - حين يوجدون - غير محصّلين . وقد كانت النجف الأشرف - حين تركناها - تمتلئ بطلّاب محصّلين من مختلف الصفوف والدراسات ، ذوي حيويّة وحرارة يندفعون للعلم وللفهم اندفاعا تسمعله هديرا يعلو في الصحن الحيدري الشريف والمساجد والمدارس حتّى يبلغ السماء .
شرح
( 1 ) الذماء يرادف الرمق « 1 » .
هامش
( 1 ) - . راجع المعجم الوسيط : 316 ، « ذ . م . ى » .