وتأهّل في تلك الأيّام بالعلويّة كريمة المقدّس أبي ( 1 ) - وهي امّ ولده الفذّ النابه السيّد محمّد صادق - فرجع إلى العراق محبوّا بها ، محبورا بكلّ كرامة هو أهلها ومحلّها .
وفي سنة 1329 آثر السياحة فافتتحها بحجّ بيت اللّه الحرام ، وتشرّف بالمدينة الطيّبة - على مشرّفيها الصلاة والسلام - وكان ولوعا بالحجّ والزيارة مغرما بهما .
ثمّ عرج علينا يجدّد العهد بنا وبسائر أوليائه الولوعين به من أرحامه وغيرهم ، فاحتفلوا به احتفالا قليل النظير ، ولا تسل عمّا وجدته المقدّسة والدتي يومئذ من الروح والبهجة والغبطة والحبور ؛ إذ وجدت به قرّة عينها ، وبرد السرور في كبدها ، وما لبث أن أبحر من بيروت إلى مصر وكنت يومئذ في خدمته ، قائما بكلّ ما يلزم لرحلته ، فكانت لرحلتنا هذه شؤون عادت على الدين والمذهب الإمامي بالتأييد ، وربما كانت من أجزل الرحلات فائدة ، وأرجاها ( 2 ) منفعة ، وأتمّها عائدة .
وبعد رجوعنا إلى عاملة توجّه إلى العراق مستهلّ ربيع الأوّل سنة 1330 ، وتوفّي - رضوان اللّه عليه - تلك السنة في الكاظميّة ظهر يوم الجمعة خامس شوّال ( 3 ) ، وكان لوفاته أثر بليغ في نفوس أسرته وغيرهم من خاصّة الناس وعامّتها . ودفن بعد تشييعه الحافل والصلاة عليه إلى جنب والده - المقدّس - في الحجرة المختصّة بهم من الصحن الشريف الكاظمي ، وأبّنته الخطباء ، ورّثته الشعراء ؛ إذ احتفلت الكاظميّة وجبل عامل بمآتمه احتفالا عظيما ، غير أنّه لم يحضرني شيء من ذلك التأبين ولا من ذلك الرثاء .
ألحقه اللّه بدرجة آبائه الطاهرين في جنّات النعيم .
شرح
( 1 ) وكان ذلك بعزيمة من المقدّسة والدتي ، وهي شقيقته حيث استخفّها - قدّس اللّه نفسها - الفرح بقدوم أخيها ، واستفزّتها به الأريحيّة ، وهزّها السرور ، وماد الحبور بعطفيها فزوّجته تلك العقيلة الجليلة وأمهرتها ، وخلعت عليها نفائس الحلل والحلي ، وما رأيت البشر أبين في وجهها من تلك الأيّام ، وكان رجوعه إلى العراق بعرسه الميمون سنة 1326 .
( 2 ) أرجى أفعل تفضيل من الرجاء ، وهي بناء شاذّ ؛ لأنّه بمعنى المفعول .
( 3 ) بمرض أخطأ الطبيب في علاجه فقضى عليه .