كان وهو مراهق في أوائل بلوغه لا يسبر غوره ، ولا تفتح العين على مثله في سنّه ، تدور على لسانه مطالب الشيخ مرتضى الأنصاري ومن تأخّر عنه من أئمّة الفقهاء والاصوليّين ، وله دلو بين دلائهم قد ملأه إلى عقد الكرب .
يقبل على العلم بقلبه ولبّه وحواسّه ، فينمو في اليوم ما ينموه غيره في شهر ، ما رأت عيني ولا سمعت اذني بمثله في هذه الخصيصة وقد رأيته قبل وفاته بفترة يسيرة ، وقد استقرّ من جولته في غاية من الفضل لا تبلغها همم العلماء ، ولا تدركها عزائم المجتهدين .
والحقّ أنّ السيّد حيدر قد بلغ من الفقه والأصول على حداثة سنّه مبلغا يستوجب أن يكون في الطليعة من شيوخ الإسلام ، ومراجعه العامّة ، ولعلّي لا أعرف - غير مبالغ - من يرجح عليه بشيء ما في ميزان من موازين الفقه الراجحة .
كان قدس سره بعيد الشوط ، قصيّ الغاية ، يتعب في البحث فرسان العلم ، وهم يتجارون حوله مغذّين ، وإنّه - فيما عنده - مسترسل يمشي الهوينا ، في غير جهد ولا لغوب .
كان بناء شامخا ملحوظ الشموخ في الأوساط العلميّة ، ولرأيه وزن عند المحقّقين ، وقوله عندهم فصل الخطاب .
وقد يورد المشكلة النظريّة في فقه أو أصول فتدوّي في الأوساط العلميّة ، وتتناولها أفكار الأساطين وألسنتهم بحثا وجدلا وأخذا وردّا أيّاما وأسابيع ، ثمّ تظلّ في مكانها من الدقّة والغموض ، وتظلّ العقدة - الحيدريّة ( 1 ) - كما ساقها متقنة محتبكة ، حتّى يبسط عليها من بيانه ما يحلّ مرّتها ، ويكشف غموضها .
شرح
( 1 ) ذكرها الإمام الهمام الشيخ ضياء الدين العراقي في تنبيهات الاشتغال « 1 » .
هامش
( 1 ) - . راجع مباحث الأصول 269 : 4 قال : « لم ترد في نهاية الأفكار تسمية ذلك بالشبهة الحيدريّة وإنّما وردت نسبته إلى عنوان بعض الأجلّة المعاصرين » . راجع نهاية الأفكار 362 : 3 . وفي القواعد والفوائد 358 : 2 قال : « الشبهة الحيدريّة تعرّض لها آية الله آقاضياء الدين العراقي في مجلس درسه فكتبت بقلم بعض طلّابه في تقرير بحثه » .