ولد رحمه الله في صور حدود سنة 1270 ، وأصيب وهو صبيّ بفقد أبيه ، فنشأ يتيما وشبّ فقيرا ؛ لذلك لم يتسنّ له الدخول إلى مكتب ، ولا حضنه متعلّم ، فنشأ اميّا لا يقرا كتابا ولا يخطّ بيده حرفا ، وترعرع صفر اليدين من كلّ صفراء وبيضاء ، بين قوم أخملهم الدهر ، وأزرى بهم الجهل والفقر ، لكنّ اللّه - سبحانه - رفع قدره ، وأشاد بعد ذلك ذكره .
لم تكن في هذه القصبة أسرة تجمعها وإيّاه عصبة ؛ ليستظلّ بوارف عزّها ، أو يأوي إلى رواق مجدها ، بل لا عضد له فيها ولا ولد ولا صهر ولا ختن ولا أحماء ، ولكنّ اللّه يعزّ بطاعته من يشاء .
فهو وإن كان شريف الجرثومة ، منيف الأرومة ، متفرّعا عن دوحة النبوّة ، باسقا من سرحة الإمامة سرحة التقوى والرضوان ، لكنّه لم ينشأ في حجر آبائه ، ولا درج من مهد أوليائه ، وإنّما تداركته أعراق صدق ، وتلاقته منابت عتق ، فنزع بفطرته إلى كرم أصله ، ورجع من تلقاء نفسه إلى مجد أهله .
نفس عصام سوّدت عصاما * وعلّمته الكرّ والإقداما
حاله إجمالا من مبدأ أمره إلى آخر عمره
نشأ رحمه الله مولعا بالكرم والمكارم ، وطمعت نفسه منذ راهق إلى الفخر والمفاخر ، ونزعت همّته إلى الظهور ، وعرجت به إلى معالي الأمور ، لم يقعد عمّا تسمو إليه النفوس العزيزة ، وترقى إلى أوجه الهمم العالية ، من التدخّل في إنجاز المهمّات ، ودفع الملمّات ، ولمّ الشعث ، ورتق الفتق ، وإصلاح الفاسد ، وخدمة الوطن ، والنصح لعامّة المواطنين ، والتفاني في حبّ المقاصد الخيريّة ، والمشاريع العموميّة .
واختصّ بالعامّة ، وهمّ السواد الأعظم من الناس ، فجعلهم كشعاره ودثاره في ليله ونهاره ، وقد بلغ في النصح لهم كلّ مبلغ ، إغاثة للهيفهم ، وإعانة لضعيفهم ، ومحالفة لمظلومهم ، وعطفة على يتاماهم ، ورأفة بأياماهم ، وتفقّدا للبائس الفقير منهم بالصدقة ،