ثم انّ معاوية بهذا الخطاب شرع بممارسة نهج فصل السياسة عن الدين ، فهو لا يتكفل - من موقعه في الخلافة - بضمان تنفيذ احكام الدين ولا يحرص على ذلك ، وانما غاية حرصه هو الحفاظ على ملكه وترسيخ سلطانه مهما كان ثمن ذلك .
انّ هذا النهج في ممارسة السلطة يكشف عن طريقة ملوكية لا صلة لها بالخلافة ولا نسب يصلها بمفهوم استخلاف منصب رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) . وما أسرع ما انكشف وجه هذه الممارسة على حقيقته حين كان البعض يدخل على معاوية ويسلّم عليه بالملك ، بل انّ معاوية نفسه لم يوارب في مجالسه الخاصة بتسمية حكومته ووصفها بالمملوكية ، وان كان حين يظهر على الملأ العام يستفيد من لقب الخلافة ويعرّف نفسه به .
وبهذا يتبيّن انّ الحكم الذي يقوم على القوة والجور لا بدّ وان يتحوّل إلى ملك وراثي ، وهذا ما قام به معاوية فعلا حين نصّب ابنه يزيد وليا للعهد من بعده ، رغم ان يزيد لا يتحلى بخصائص الشخصية الدينية ولا يراعي ضوابط الالتزام الاسلامي ، وانما كان شابا متهتّكا ، دلت على فساده فجائعه العظيمة التي ارتكبها أثناء حكمه .
وفي مسار آخر ، كان تنصل معاوية لشروط الصلح معناه عدم السماح لشيعة أهل البيت ان يعشوا بأمن وسلام ، وسلبهم حق ممارسة نشاطهم الديني الذي كانوا عليه .
وهذا ما حصل تماما حين اعتمد معاوية سياسة تقوم على منع رواية مناقب أهل البيت أو تداول الأخبار والروايات عنهم ، وان من يقوم بذلك لا يأمن على
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 224
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٢٤