بمشاهدة الابصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان . ويلك يا ذعلب ! ان ربي لطيف اللطافة ؛ فلا يوصف باللطف ، عظيم العظمة ؛ لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء ؛ لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة ؛ لا يوصف بالغلظ ، قبل كل شيء ؛ فلا يقال شيء قبله ، وبعد كلّ شيء ؛ فلا يقال شيء بعده ، شاء الأشياء لا بهمّة ، درّاك لا بخديعة ، هو في الأشياء كلّها غير متمازج بها ولا بائن عنها ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجلّ لا باستهلال رؤية ، بائن لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسيم ، موجود لا بعدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدّر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة ، لا تحويه الأماكن ، ولا تصحبه الأوقات ، ولا تحده الصفات ، ولا تأخذه السنات ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله . . .
بتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له ، ضادّ الظلمة بالنور ، والجمود بالبلل ، والصرد بالحرور ، مؤلف بين متعادياتها ، مفرق بين متدانياتها ، دالّة بتفريقها على مفرقها ، وبتأليفها على مؤلفها ، ذلك قوله عز وجل :
« وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »
« 1 » ففرق بها بين قبل وبعد ، ليعلم ان لا قبل له ، ولا بعد . شاهدة بغرائزها ان لا غريزة لمغرّزها ، مخبرة بتوقيتها ان لا وقت لموقتها . حجب بعضها عن بعض ، ليعلم ان لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه . كان ربا إذ لا مربوب ، وإلها إذ لا مألوه ، وعالما إذ لا معلوم ، وسميعا إذ لا مسموع » .
ثم أنشأ يقول :
هامش
( 1 ) الذاريات : 51 .