الصحراوي .
ومن مقتضيات هذا الطراز من البحث ان يتناول الفيلسوف المفكّر ، الموضوعات على نحو العموم والكلية ؛ بإسقاط خصوصياتها ومشخصاتها الزمانية والمكانية ، وبالتالي مشخصاتها المادية . وعليه أيضا ان يغمض العين عن رواسب الافكار الاجتماعية والعواطف والأحاسيس الانسانية المختلفة ، وان لا يسمح بمؤثراتها ان تنفذ إلى تفكيره وتكتسب مكانا فيه .
وباصطلاحنا [ العلمي - الفني ] تؤخذ المفاهيم الكلية بتجريدها عن جميع المقارنات المادية ، لتبلغ الخواص العامة الواقعية للوجود ، ثم يقارن كل واحد من أنواع الأشياء مما احتمل له الواقعية ، بتلك الخواص ، فتتميز الواقعيات عن الخرافيات .
وهذه أصعب الوظائف التي يواجهها المفكّر في الفلسفة ، وأعقدها .
ان ارتباطنا الابتدائي بالأشياء الخارجة عنّا ، ذلك الارتباط الذي ينبثق من الاحتياجات الوجودية ؛ وفي طليعتها حواسنا ، لا يكون الّا مع شخصية مادية دون اي شيء آخر .
وكلّ فعالية نقوم بها نتيجة هذا الارتباط ، تكون هي الأخرى مرتبطة بجزئيات المادة . وبهذا الشكل يمتلئ فضاؤنا الفكري بالأفكار الجزئية والموضوعات الشخصية ، بحيث ينشغل بها كليا ، دون ان يدع أدنى مساحة خالية ، ولو في زاوية من زوايا الفكر .
مع مثل هذا الوضع ، تتضح طبيعة الإشكال الذي نواجهه في انضاج تصور أو تصديق كلي خالص واحد .
الشيعة ' نص الحوار مع المستشرق كوربان '" " — صفحة 155
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٥٥