تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
يقول اللَّه تعالى : « لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ » قال الحسن وقتادة : معناه لم يكونوا منتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة . وقوله « فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ » القيمة المستمرة في جهة الصواب ، فهو على وزن فعلية ، من قام بالأمر يقوم به إذا أجراه في جهة الاستقامة . وقوله « وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ » اخبار من اللَّه تعالى أن هؤلاء الكفار لم يختلفوا في نبوة النبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، لأنهم كانوا مجتمعين على نبوته بما وجدوه في كتبهم من صفاته ، فلما أتاهم بالبينة الظاهرة والمعجزة القاهرة تفرقوا واختلفوا ، فآمن بعضهم وكفر بعضهم . وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول : ان الكفار خلقوا كفارا في بطون أمهاتهم ، لأنه تعالى بين أنهم لم يختلفوا في ذلك قبل مجيء معجزاته وأدلته ، ولا يلزم على ذلك أن يكون مجيء الآيات مفسدة من حيث وقع الفساد عندها ، لأنه ليس حد المفسدة ما يقع عنده الفساد ، بل حدها ما يقع عنده الفساد ولولاه لم يقع من غير أن يكون تمكينا ، وهاهنا المعجزات تمكين فلم تكن مفسدة . وقوله « حُنَفاءَ » جمع حنيف ، وهو المائل إلى الحق ، والحنفية الشريعة المائلة إلى الحق . قوله « وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه » دليل على فساد مذهب المجبرة في أن اللَّه تعالى خلق الكفار ليكفروا به ، لأنه صرح هاهنا أنه خلقهم ليعبدوه . وليس في الآية دلالة على أن أفعال الجوارح من الايمان ولا من الدين ، لأنه يجوز أن يكون المراد « وذلِكَ » إشارة إلى التدين ، وتقديره : التدين بذلك فهو دين القيمة ، لان من لا يعتقد جميع ذلك ويؤمن بجميع ما يجب عليه فليس بمسلم وقد تقدم قوله تعالى « مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ » .