وقد حكى توجيه كلامهم بما ذكرنا عن غير واحد ، ولا يخلو عن وجه في مقام
التوجيه ، ثم إن التفقه في مسائل التجارة لما كان مطلوبا للتخلص عن المعاملات
الفاسدة التي أهمها الربا ، الجامعة بين أكل المال بالباطل وارتكاب الموبقة الكذائية ، لم
يعتبر فيه كونه عن اجتهاد . بل يكفي فيه التقليد الصحيح ، فلا تعارض بين أدلة التفقه
هنا ، وأدلة تحصيل المعاش ، نعم ربما أورد في هذا المقام وإن كان خارجا عنه
التعارض بين أدلة طلب مطلق العلم الشامل لمعرفة مسائل العبادات ، وأنواع
المعاملات المتوقف على الاجتهاد ، وبين أدلة طلب الإكتساب والاشتغال في تحصيل
المال لأجل الانفاق على من ينبغي أن ينفق عليه ، وترك إلقاء كله على الناس
الموجب لاستحقاق اللعن ، فإن الأخبار من الطرفين كثيرة يكفي في طلب الإكتساب
ما ورد من : أنه أوحى الله تعالى إلى داوود ( على نبينا وآله وعليه السلام ) : يا داود
إنك نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئا . فبكى عليه السلام أربعين
صباحا ثم الآن الله تعالى له الحديد ، وكان يعمل كل يوم درعا ويبيعه بألف درهم ،
فعمل ثلاثمائة وستين درعا فباعها واستغنى عن بيت المال ، الحديث .
شرح
وما نحن فيه من هذا القبيل : فإن موضوع حكم العقل هو الضرر المحتمل ، والمطلوب
بالاستصحاب ليس هو اثبات وجوب الدفع ، بل المثبت بالاستصحاب عدم العقاب ،
والضرر ، وبه يرتفع موضوع وجوب الدفع .
وعلى الجملة كما أنه يصح رفع موضوع قبح العقاب بلا بيان باستصحاب الوجوب ،
كذلك يصح رفع موضوع وجوب دفع الضرر المحتمل بالاستصحاب المذكور ولا محذور في
ذلك .
ولكن يمكن الاستدلال لوجوب الدفع ، وعدم جريان الأصل المذكور بوجهين .
1 - العلم الاجمالي بجملة من الأحكام الشرعية في ظرفها وهذا العلم الاجمالي مانع
عن اجراء الأصل المذكور في كل ما هو من أطراف العلم الاجمالي .
2 - اطلاق ما دل على وجوب التعلم : إذ لو اختص ذلك بموارد العلم أو الاطمينان
بالابتلاء لم يبق تحت تلك الأدلة إلا موارد نادرة .