تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج الفقاهة — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
العلم أفضل من التكسب ، وإن كان أفضل ، بل في مقام أن طالب العلم إذا اشتغل بتحصيل العلم فليكن منقطعا عن الأسباب الظاهرة الموجودة غالبا لطلاب العلوم من الوظائف المستمرة من السلاطين . والحاصلة من الموقوفات للمدارس وأهل العلم ؟ والموجودة الحاصلة غالبا للعلماء والمشتغلين من معاشرة السلطان واتباعه والمراودة مع التجار والأغنياء والعلماء الذين لا ينتفع منهم إلا بما في أيديهم من وجوه الزكوات ورد المظالم والأخماس وشبه ذلك ، كما كان متعارفا في ذلك الزمان بل في كل زمان فربما جعل الاشتغال بالعلم بنفسه سببا للمعيشة من الجهات التي ذكرناها . وبالجملة ، فلا شهادة فيما ذكر من كلام الشهيد رحمه الله من أوله إلى آخره ، وما أضاف إليه من الروايات في الجمع المذكور أعني تخصيص أدلة طلب الحلال بغير طالب العلم . ثم إنه لا اشكال في أن كل من طلب العلم وطلب الرزق ينقسم إلى الأحكام الأربعة أو الخمسة . ولا ريب أن المستحب من أحدهما لا يزاحم الواجب ولا الواجب الكفائي الواجب العيني ، ولا اشكال أيضا في أن الأهم من الواجبين المعينين مقدم على غيره ، وكذا الحكم في الواجبين الكفائيين مع ظن قيام الغير به ، وقد يكون كسب الكاسب مقدمة لاشتغال غيره بالعلم ، فيجب أو يستحب مقدمة . بقي الكلام في المستحب من الأمرين عند فرض عدم امكان الجمع بينهما . ولا ريب في تفاوت الحكم بالترجيح باختلاف الفوائد المرتبة على الأمرين فرب من لا يحصل له باشتغاله بالعلم إلا شئ قليل لا يترتب عليه كثير فائدة ، ويترتب على اشتغاله بالتجارة فوائد كثيرة ، منها تكفل أحوال المشتغلين من ماله أو مال أقرانه من التجار المخالطين معه ، على وجه الصلة أو الصدقة الواجبة والمستحبة فيحصل بذلك ثواب الصدقة وثواب الإعانة الواجبة أو المستحبة على تحصيل العلم ، ورب من يحصل بالاشتغال مرتبة عالية من العلم يحيي بها فنون علم الدين ، فلا يحصل له من كسبه إلا قليل من الرزق فإنه لا اشكال في أن اشتغاله بالعلم والأكل من وجوه الصدقات أرجح . وما ذكر من حديث داود ( على نبينا وآله وعليه السلام ) فإنما هو لعدم مزاحمة اشتغاله بالكسب لشئ من وظائف النبوة والرئاسة العلمية .