وكيف كان فالحكم باستحباب التفقه للتاجر محل نظر ، بل الأولى وجوبه عليه
عقلا وشرعا ، وإن كان وجوب معرفة باقي المحرمات من باب العقل فقط ، ويمكن
توجيه كلامهم بإرادة التفقه الكامل ليطلع على مسائل الربا الدقيقة والمعاملات
الفاسدة كذلك . ويطلع على موارد الشبهة والمعاملات الغير الواضحة الصحة ،
فيجتنب عنها في العمل فإن القدر الواجب هو معرفة المسائل العامة البلوى ، لا
الفروع الفقهية المذكورة في المعاملات ، ويشهد للغاية الأولى قوله عليه السلام في مقام تعليل
وجوب التفقه : إن الربا أخفى من دبيب النملة على الصفا ، وللغاية الثانية قول
الصادق عليه السلام في الرواية المتقدمة : من لم يتفقه ثم اتجر تورط في الشبهات ، لكن ظاهر
صدره الوجوب فلاحظ .
شرح
وأما المحقق النائيني رحمه الله فقد استدل لما اختاره بعد الاعتراض على الشيخ
الأعظم رحمه الله ، بأن التعلم ليس من المقدمات العقلية التي لها دخل في القدرة ، لأن الجهل
بالحكم لا يوجب سلب القدرة ومن هنا كانت الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل .
بما حاصله أن العقل يستقل بأن لكل من المولى والعبد وظيفة ، فوظيفة المولى إظهار
مراداته وتبليغها بالطرق المتعارفة التي يمكن للعبد الوصول إليها إن لم يحدث هناك مانع
فوظيفته إرسال الرسل وانزال الكتب وتشريع الأحكام .
وبعد ذلك تصل النوبة إلى وظيفة العبد ، وأنه على العبد الفحص عن مرادات المولى
وأحكامه ، وحينئذ يستقل العقل باستحقاق العبد للعقاب عند ترك وظيفته ، كما يستقل
بقبح العقاب عند ترك المولى وظيفته ، ولولا استقلال العقل بذلك لانسد طريق وجوب
النظر إلى معجزة من يدعي النبوة ، وللزم افحام الأنبياء ، إذ لو لم يجب على العبد النظر إلى
معجزة مدعي النبوة لما كان للنبي أن يحتج على العبد بعدم تصديقه له ، إذ للعبد أن يقول لم
أعلم بأنك نبي ، وبالجملة كما يستقل العقل بلزوم النظر إلى معجزة من يدعى النبوة كذلك
يستقل بوجوب تعلم أحكام الشريعة ، والمناط في الجميع واحد وهو استقلال العقل بأن
ذلك من وظيفة العبد .
ومن هنا لا يختص وجوب التعلم بالبالغ كما لا يختص وجوب النظر في معجزة النبي
به ، بل يجب ذلك قبل البلوغ إن كان مميزا ليكون أول بلوغه مؤمنا مصدقا بالنبوة .