أقول : ظاهر كلامه رحمه الله الوجوب إلا أن تعبيره بلفظ ينبغي ربما يدعي ظهوره
في الاستحباب ، إلا أن الانصاف أن ظهوره ليس بحيث يعارض ظهور ما في كلامه في
الوجوب من باب المقدمة ، فإن معرفة الحلال والحرام واجبة على كل أحد بالنظر إلى
ما يبتلى به من الأمور ، وليس معرفة جميعها مما يتعلق بالإنسان وجوبها فورا دفعة ،
بل عند الالتفات إلى احتمال الحرمة في فعل يريد أن يفعله ، أو عند إرادة الاقدام على
أفعال يعلم بوجود الحرام بينها ، فإنه معاقب على ما يفعله من الحرام لو ترك التعلم ،
وإن لم يلتفت عند فعله إلى احتمال تحريمه ، فإن التفاته السابق وعلمه بعدم خلو ما
يريد مزاولتها من الأفعال من الحرام كاف في حسن العقاب ، وإلا لم يعاقب أكثر الجهال
على أكثر المحرمات ، لأنهم يفعلونها وهم غير ملتفتين إلى احتمال حرمتها عند الارتكاب .
شرح
فقال إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أكنت عالما فإن قال نعم قال له أفلا
عملت بما علمت ، وإن كان جاهلا قال له أفلا تعلمت حتى تعمل فيخصمه فتلك الحجة
البالغة ( 1 )
وأورد عليها المحقق العراقي
باختصاصها بالتعلم الموجب للعلم بالواقع ، والمطلوب أعم من ذلك
وبأنها ظاهرة في الإرشاد إلى حكم العقل بلزوم الفحص لأجل استقرار الجهل
الموجب لعذره
ويرد الأول أن الأمارات قائمة مقام العلم
ويرد الثاني أنها ظاهرة في الإرشاد إلى حكمه بلزوم الفحص عما جعله الشارع ،
وهذا ينفي كون وجوبه نفسيا ، وبعبارة أخرى أن الخبر المذكور ظاهر في كونه في مقام افهام
العبد بما يقال له هلا تعلمت ولو لم يكن وجوبه ارشاديا وكان نفسيا كان له أن يجيب بعدم
علمه بوجوب التعلم ، وبالجملة لا كلام في الواجبات المطلقة
إنما الكلام في وجوب التعلم إذا كان الواجب مشروطا بشرط غير حاصل ، من جهة
أنه في ظرف امكان التعلم لم يثبت وجوب الواجب كي يجب تعلمه مقدمة له ، وفي ظرف
حصول الشرط لا قدرة له على الامتثال
هامش
1 ) - تفسير الصافي ج 2 ص 169 - ذيل آية 149 الأنعام ونحوه في تفسير البرهان .