شرح
وبما ذكرناه ظهر اندفاع ما أورده الأستاذ الأعظم على الاستدلال بهذه النصوص
على الجواز : بأن المدعي إن ادعى أنها تدل على الحلية الواقعية فيرد عليه : إن العمل
باطلاقها يقتضي إباحة أخذ الجائزة من الجائر حتى مع العلم التفصيلي باشتمالها على الحرام ،
ولم يتفوه به أحد ، وإن ادعى ظهورها في الحلية الظاهرية فيرد عليه : إن تلك الأخبار لا
يمكن شمولها لجميع الأطراف ، فإنه ترخيص في المعصية ، ولبعضها دون بعض ترجيح بلا
مرجح ، وإذا فتخرج موارد العلم الاجمالي الذي يوجب التنجز عن حدود تلك الأخبار
تخصصا .
فإنه يرد عليه : إن العلم الاجمالي لا يكون منجزا كما عرفت في المورد الأول والثالث
اللذين هما محل الكلام ، وإن شئت قلت : إن تلك الأخبار إنما تدل على حلية ما يؤخذ من
الجائر مجانا أو مع العوض الذي هو أحد أطراف العلم الاجمالي ، ولا تدل على حلية جميع
أمواله حتى الباقية تحت يده ، وعليه فلا يلزم من القول بشمولها لبعض الأطراف ترجيح
بلا مرجح ، فلا مانع من شمولها له .
وقد أورد على الاستدلال بهذه النصوص بإيراد آخر وهو : إن الظاهر من موثق
إسحاق بن عمار قال : سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو يظلم قال : يشتري منه ما
لم يعلم أنه ظلم فيه أحدا ( 1 ) . تقييد الحكم بصورة الشك فقط .
وفيه : إن السائل فرض ظلم العامل ومع ذلك سأل عن حكم الاشتراء منه ، فمورده
لا محالة يكون هو العلم الاجمالي بوجود الحرام . وجوابه عليه السلام ظاهر في إرادة أنه إن لم يعلم
بالظلم في خصوص ما يؤخذ منه تفصيلا أوا جمالا لا بأس بالاشتراء وبه يقيد اطلاق سائر
النصوص .
فتحصل : إن الظاهر من الروايات جواز التصرف في جوائز الظلمة سواء أخذت
منهم مجانا أو مع العوض ، وإن علم اجمالا بوجود الحرام في أموالهم ما لم يعلم بوجوده
في خصوص الجائزة ، والله العالم بالأحكام .
هامش
1 ) الوسائل ، باب 53 ، من أبواب ما يكتسب به ، حديث 2 .