الثالث : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، وقد أنكرها بعض الفلاسفة ، وقال بها
الأكابر منهم وهي في أنفسها مختلفة فمنهم خيرة وهم مؤمنوا الجن وشريرة وهم
كفار الجن وشياطينهم { 1 } .
الرابع : التخيلات والأخذ بالعيون مثل راكب السفينة يتخيل نفسه ساكنا
والشط متحركا { 2 } .
شرح
{ 1 } وأضاف في البحار أن المراد بها الأجنة وهي مختلفة الأصناف ، فمنها خيرة
ومنها شريرة ، وهي قادرة عالمة مدركة للجزئيات ، واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من
اتصالها بالأرواح السماوية ، إلا أن القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بواسطة الاتصال بهذه
الأرواح أضعف من القوة الحاصلة لها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية ، وأصحاب
التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرق والتجريد
والدخن ، فهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن . انتهى ملخصا .
وقد عرفت من ما تقدم عدم صدق السحر على ذلك ، وأما من حيث حكمه
فسيأتي الكلام فيه في آخر هذا المبحث .
وعن المعتزلة : الاتفاق على تكفر من يجوز ذلك ، لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن
يعرف صدق الأنبياء .
وفيه : إن من يظهر هذه الأشياء على يده ، أما أن لا يدعي النبوة فلا يفضي الأمر إلى
التلبيس ، وإن ادعى النبوة فعلى الله تعالى أن لا يظهر على يده هذه الأشياء .
{ 2 } وأفاد في توضيحه أن هذا النوع مبني على مقدمات :
الأولى : إن أغلاط البصر كثيرة ، كراكب السفينة يرى نفسه ساكنا والشط متحركا .
الثانية : إن المحسوسات قد تختلط ولا يتميز بعضها عن بعض ، وذلك فيما إذا أدركت
القوة الباصرة المحسوس في زمان قصير جدا ثم أدرك بعده محسوسا آخر .
الثالثة : إنه قد تشتغل النفس بشئ ولا يدرك الانسان حينئذ شيئا حاضرا عنده
كالوارد على السلطان فإنه قد يلقاه شخص آخر ويتكلم معه وهو لا يلتفت إليه .