فقلت : ما شأنك ؟
فقلت : إني هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلي ( عليه السلام ) : ليس لي من
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي ! فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي ، وهو غضبان
محمر الوجه ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ارجعي وراءك ، والله
لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان ،
فرجعت نادمة ساخطة !
قالت عائشة : نعم أذكر ذلك .
قالت : وأذكرك أيضا ، كنت أنا وأنت مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأنت تغسلين
رأسه ، وأنا أحيس له حيسا ، وكان الحيس ( 1 ) يعجبه ، فرفع رأسه ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا
ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذنب ( 2 ) ، تنبحها كلاب الحوأب ( 3 ) ، فتكون
هامش
( 1 ) الحيس : تمر يخلط بسمن وأقط ، فيعجن ويدلك حتى تمتزج ثم يندر نواه .
( 2 ) أو الأدبب ، وهو كثير الشعر .
( 3 ) الحوأب : موضع في طريق البصرة محاذي البقرة ، وهو من مياه أبي بكر بن كلاب ، وقال نصر :
الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة ، وقيل : سمي الحوأب بالحوأب بنت كلب بن وبرة ،
وقال أبو منصور : الحوأب موضع بئر نبحت كلابه عائشة عند مقبلها إلى البصرة .
وروى أبو مخنف بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال يوما لنسائه ، وهن عنده جميعا :
ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى
كثيرة ، كلهم في النار ، وتنجو بعد ما كادت !
وروى محمد بن إسحاق ، عن حبيب بن عمير ، قالوا جميعا : لما خرجت عائشة وطلحة والزبير
من مكة إلى البصرة ، طرقت ماء الحوأب ، وهو ماء لبني عامر بن صعصعة ، فنبحتهم الكلاب ،
فنفرت صعاب إبلهم ، فقال قائل منهم : لعن الله الحوأب فما أكثر كلابها ! فلما سمعت عائشة ذكر
الحوأب قالت : أهذا ماء الحوأب ؟ قالوا : نعم ، فقالت : ردوني ردوني ! فسألوها ما شأنها ؟ ما بدا
لها ؟ فقالت : إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : كأني بكلاب ماء
يدعى الحوأب ، قد نبحت بعض
نسائي ، ثم قال لي : إياك يا حميراء أن تكونيها ! فقال لها
الزبير : مهلا يرحمك الله ، فإنا قد جزنا
ماء الحوأب بفراسخ كثيرة ، فقالت : أعندك من يشهد بأن هذه الكلاب النابحة ليست على ماء
الحوأب ؟ فلفق لها الزبير وطلحة خمسين أعرابيا جعلا لهم جعلا ، فحلفوا لها ، وشهدوا أن هذا
الماء ليس بماء الحوأب ، فكانت هذه أول شهادة زور في الإسلام . راجع : شرح نهج البلاغة
لابن أبي الحديد : ج 9 ص 310 - 311 ، وج 6 ص 225 ، سير أعلام النبلاء : ج 2 ص 177 ،
تاريخ الطبري : ج 4 ص 457 ، الكامل في التاريخ : ج 3 ص 210 ، معجم البلدان للحموي : ج 2
ص 314 .