ضرورة أن فاعل ذلك لا يفعله للتبعيد من قوله ، وإنما يفعله للتقريب منه والدعاء
إليه ، فقد ثبت بما قلناه .
ولو كان الدال على قوله الموضح بالحجج عن صوابه ، المجتهد في تحسينه
وتشييده ، غير قاصد بذلك إلى الدعاء إليه ، ولا مزيد للاتفاق عليه ، لكان المقبح
للمذهب الكاشف عن عواره الموضح عن ضعفه ووهنه داعيا بذلك إلى اعتقاده ،
ومرغبا به إلى المصير إليه .
ولو كان ذلك كذلك لكان إلزام الشئ مدحا له ، والمدح له ذما له ، والترغيب
في الشئ ترهيبا عنه ، والترهيب عن الشئ ترغيبا فيه ، والأمر به نهيا عنه ، والنهي
عنه أمرا به ، والتحذير منه إيناسا به ، وهذا ما لا يذهب إليه سليم .
فبطل ذلك ما توهموه ، ووضح ما ذكرناه في تناقض نحلتهم على ما بيناه ،
والله نسأل التوفيق .
قال شيخنا ( رحمه الله ) : ثم عدلت إلى صاحب المجلس فقلت له : لو سلم هؤلاء من
المناقضة التي ذكرناها - ولن يسلموا أبدا من الله - لما سلموا من الخلاف على الله
فيما أمر به ، والرد للنص في كتابه ، والخروج عن مفهوم أحكامه بما ذهبوا إليه من
حسن الاختلاف وجوازه في الأحكام ، قال : الله عز وجل : * ( ولا تكونوا كالذين
تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظم ) * ( 1 ) .
فنهى الله تعالى نهيا عاما ظاهرا ، وحذر منه وزجر عنه ، وتوعد على فعله
بالعقاب ، وهذا مناف لجواز الاختلاف ، وقال سبحانه : * ( واعتصموا بحبل الله
جميعا ولا تفرقوا ) * ( 2 ) فنهى عن التفرق ، وأمر الكافة بالاجتماع ، وهذا يبطل قول
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 105 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 103 .