تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناظرات في العقائد والأحكام — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
دليل على المعنى ولا السمة وإنما تعبدك على ما زعمت بالعمل على غلبة الظن ، فلا بد أن يجعل لغلبة الظن سببا ، وإلا لم يحصل ذلك في الظن ولم يكن لغلبته طريق ، وهب أنا سلمنا لك التعبد بغلبة الظن في الشريعة ، ما الدليل على أنه قد يغلب فيما زعمت ؟ وما السبب الموجب له أرناه ؟ فإنا نطالبك به كما طالبنا هذا الرجل بجهة الاستخراج للسمة ؟ والعلة السمعية كما وصف فإن أوجدتنا ذلك ساغ لك ، وإن لم توجدناه بطل ما اعتمدت عليه . فقال : أسباب غلبة الظن معروفة وهي كالرجل الذي يغلب في ظنه إن سلك هذا الطريق نجا وإن سلك غيره هلك ، وإن أتجر في ضرب من المتاجر ربح ، وإن أتجر في غيره خسر ، وإن ركب إلى ضيعة والسماء متغيمة مطر ، وإن ركب وهي مصحية سلم ، وإن شرب هذا الدواء انتفع ، وإن عدل إلى غيره استضر ، وما أشبه ذلك ، ومن خالفني في أسباب غلبة الظن قبح كلامه . فقلت له : إن هذا الذي أوردته لا نسبة بينه وبين الشريعة وأحكامها ، وذلك أنه ليس شئ منه إلا وللخلق فيه عادة وبه معرفة ، فإنما يغلب ظنونهم حسب عاداتهم ، وإمارات ذلك ظاهرة لهم ، والعقلاء يشتركون في أكثرها وما اختلفوا فيه فلاختلاف عاداتهم خاصة ، وأما الشريعة فلا عادة فيها ولا إمارة من درية ومشاهدة ، لأن النصوص قد جاءت فيها باختلاف المتفق في صورته وظاهر معناه ، واتفاق المختلف في الحكم ، وليس للعقول في رفع حكم منها وإيجابه مجال ، وإذا لم يك فيها عادة بطل غلبة الظن فيها . ألا ترى أنه من لا عادة له بالتجارة ولا سمع بعادة الناس فيها ، لا يصح أن يغلب ظنه في نوع منها بربح أو خسران ، ومن لا معرفة له بالطرقات ولا بأغيارها ،