ولدها الحسين ( عليه السلام ) ، وذكرت له سماعي الحديث ( 1 ) مرتين من علماء أبناء أهل
السنة والجماعة مرة في بغداد قبل عشرين سنة ، ومرة قبل ليالي قليلة في الحرم
الشريف .
قال : نعم ، إن هذا الحديث صحيح لا ننكره .
قلت له : من المسلم في التواريخ والأحاديث أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما رجع
من أحد ، ورأى أن لكل واحد من الشهداء نائحات وباكيات فأمر ( صلى الله عليه وآله ) نساء بني
هاشم أن يجتمعن لحمزة سيد الشهداء ( 2 ) ( عليه السلام ) .
قال : نعم صحيح ، بل سمعت أن المتداول في المدينة المنورة إلى الآن في
الرثاء والنياح على الأموات ، أولا ينحن ويبكين على حمزة سيد الشهداء ( عليه السلام ) ثم
ينحن ويبكين على موتاهن ( 3 ) .
هامش
( 1 ) وهو حديث جواز فاطمة ( عليها السلام ) في يوم المحشر ، وعلى رأسها ثوب للحسين ( عليه السلام ) مخضب
بالدم ، وشفاعتها للباكين على ولدها الحسين ( عليه السلام ) وسوف يأتي مع مصادره .
( 2 ) روي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما رجع من غزوة أحد بعد ما دفن القتلى مر بدور بني الأشهل وبني
ظفر فسمع بكاء النوائح على قتلاهن ، فترقرقت عيناه ( صلى الله عليه وآله ) وبكى ، ثم قال : لكن حمزة لا بواكي
له اليوم ، فلما سمع ( صلى الله عليه وآله ) الواعية على حمزة وهو عند فاطمة ( عليها السلام ) على باب المسجد قال : ارجعن
رحمكن الله ، فقد آسيتن بأنفسكن .
وقيل : فرجع سعد بن معاذ وأسيد بن خضير إلى دار بني عبد الأشهل وأمرا نساءهم أن يتحزمن
ثم يذهبن ويبكين على عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . راجع : السيرة النبوية لابن هشام : ج 3 ص 104 -
105 ، السيرة النبوية لابن كثير : ج 3 ص 95 ، إعلام الورى للطبرسي : ص 94 - 95 ، بحار
الأنوار للمجلسي : ج 20 ص 98 - 99 ، سيرة المصطفى لهاشم معروف : ص 429 .
( 3 ) وهذه السيرة الجارية عندهم بلا شك تعد امتثالا لأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتحقيقا لرغبته في
البكاء على حمزة سيد الشهداء ( عليه السلام ) ( ولكن حمزة لا بواكي له اليوم ) ، وتأسيا بنساء الأنصار إذ
يبدئن بالبكاء على حمزة قبل البكاء على موتاهن - كما ورد في الأخبار والسير - فليس
من الغريب أن تكون هذه العادة باقية إلى اليوم في المدينة المنورة منذ زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقد جاء
في ذخائر العقبى : ص 183 عن الواقدي : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما قال : إن حمزة لا بواكي له ، لم
تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذلك إلى اليوم إلا بدأت بالبكاء على حمزة ،
ثم بكت على ميتها ، والذي يؤيد هذه السنة الحسنة أيضا ما جاء في وسائل الشيعة ( ب 88 من
أبواب الدفن ح 3 ) عن محمد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) قال : لما انصرف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من وقعة
أحد إلى المدينة سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا وبكاءا ، ولم يسمع من دار حمزة عمه ،
فقال ( صلى الله عليه وآله ) : لكن حمزة لا بواكي عليه ، فألى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت ، ولا يبكون
حتى يبدؤا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه ، فهم إلى اليوم على ذلك .