وأذكر أني رجعت إليه بعد يومين وقلت له : إذا كان اعتقادك أن الله هو
الذي يفعل كل شئ ، وليس للعباد أن يختاروا أي شئ ، فلماذا لا تقول في
الخلافة نفس القول ، وأن الله سبحانه هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم
الخيرة ؟
فقال : نعم أقول بذلك ، لأن الله هو الذي اختار أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم
علي ( عليه السلام ) ، ولو شاء الله أن يكون علي هو الخليفة الأول ما كان الجن والإنس
بقادرين على منع ذلك . ( 1 )
هامش
( 1 ) من الواضح أنه خلط بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية ، ولم يفرق بينهما - حتى لجأ
للقول بمقالة المجبرة - والفرق بينهما إن متعلق الإرادة التكوينية لا يتخلف عنها في الخارج
أبدا ، قال تعالى : * ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) * البقرة / 117 ، وقال تعالى : * ( ولو
شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) * يونس / 99 ، فلا يتخلف المراد فيها عن الإرادة ،
أما الإرادة أو المشيئة التشريعية فهي تتعلق بالمكلفين وأفعالهم ، فليست خارجة عن إرادتهم
واختيارهم ، فبقدرتهم إطاعة الله تعالى غير ملجئين عليها فيثيبهم الله ، وبإمكانهم معصيته
باختيارهم غير مجبرين عليها فيعاقبهم الله ، ولو أن الله تعالى أجبر العباد على الطاعة أو على
المعصية - تعالى الله عن ذلك - لبطل الثواب والعقاب ، بل أمرهم ونهاهم تشريعا لا تكوينا . أما
بالنسبة للمثال المذكور في المناظرة ، فنقول : إن الله تعالى أراد أن يكون الإمام علي بن أبي
طالب ( عليه السلام ) هو الخليفة الشرعي للنبي ( صلى الله عليه وآله ) تكوينا ، فلا بد أن يكون الإمام بإرادة الله تعالى
ومشيئته ، رضي الناس بذلك أم لم يرضوا ! وأما اتباع الناس له وطاعتهم له فهو متعلق بالإرادة
التشريعية * ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * فلا جبر فيها ، فشأن أولئك الذين
خالفوا أمر الله تعالى في أوليائه وأوصيائه ، شأن تلك الأمم السالفة التي عصت الرسل وكذبوهم
بل هناك من الأمم من قتلت أنبياءها ، كما حصل في بني إسرائيل الذين قتلوا سبعين نبيا في
ساعة واحدة ، فهل يقال : إن الله تعالى أراد من بني إسرائيل قتل الأنبياء تعالى الله عن ذلك علوا
كبيرا ، هذا وكل شئ بمشيئته غير خارج عنها بمعنى أنه لو أراد تكوينا عدم وقوعها في الخارج
لما وقعت ، وجرت حكمته تعالى في خلقه أن يمتحنهم بعدما هداهم السبيل * ( إنا هديناه السبيل
إما شاكرا وإما كفورا ) * غير مكرهين على الفعل ولا مجبورين على عدمه ، بل هو أمر بين أمرين