أسر ( صلى الله عليه وآله ) أمره وكتمه أربعين سنة بأمر الله جل ذكره ، وبعد ذلك أظهره لمن وثق به
وكتمه ثلاث سنين عمن لم يثق به ، ثم آل الأمر إلى أن تعاقدوا على هجرانه
وهجران جميع بني هاشم والمحامين عليه لأجله ، فخرجوا إلى الشعب وبقوا فيه
ثلاث سنين فلو أن قائلا قال في تلك السنين : لم لا يخرج محمد ( صلى الله عليه وآله ) فإنه واجب
عليه الخروج لغلبة المشركين على المسلمين ؟ ما كان يكون جوابنا له إلا أنه ( صلى الله عليه وآله )
بأمر الله تعالى ذكره خرج إلى الشعب حين خرج وبإذنه غاب ومتى أمره بالظهور
والخروج خرج وظهر .
لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بقي في الشعب هذه المدة حتى أوحى عز وجل إليه أنه قد
بعث أرضة على الصحيفة المكتوبة بين قريش في هجران النبي ( صلى الله عليه وآله ) وجميع بني
هاشم ، المختومة بأربعين خاتما ، المعدلة عند زمعة بن الأسود فأكلت ما كان فيها
من قطيعة رحم وتركت ما كان فيها اسم الله عز وجل ، فقام أبو طالب فدخل مكة ،
فلما رأته قريش قدروا أنه قد جاء ليسلم إليهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى يقتلوه أو يرجعوه
عن نبوته ، فاستقبلوه وعظموه فلما جلس قال لهم : يا معشر قريش إن ابن أخي
محمد لم أجرب عليه كذبا قط ، وإنه قد أخبرني أن ربه أوحى إليه أنه قد بعث على
الصحيفة المكتوبة بينكم الأرضة ، فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم وتركت ما
كان فيها من أسماء الله عز وجل ، فأخرجوا الصحيفة وفكوها فوجدوها كما قال ،
فآمن بعض وبقي بعض على كفره ، ورجع النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبنو هاشم إلى مكة ( 1 ) ، هكذا
الإمام ( عليه السلام ) إذا أذن الله له في الخروج خرج .
هامش
( 1 ) راجع قصة الصحيفة في : البداية والنهاية لابن كثير : ج 2 ص 95 - 97 ، دلائل النبوة لأبي نعيم
: ج 1 ص 272 - 275 ح 272 ، الكامل في التأريخ لابن الأثير : ج 2 ص 87 - 90 ، بحار الأنوار
: ج 19 ص 1 - 4 ح 1 .