ومثل هذا الحديث الحديث الآخر وهو قوله عليه الصلاة
والسلام لعبد الله بن عمرو : " كيف أنت إذا بقيت في حثالة من
الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم " : أي لا يستقرون على عهد ،
ولا يقيمون على عقد ، يصفهم عليه الصلاة والسلام بقلة الثبات ،
وكثرة الانتقالات . والمراد أصحاب الأمانات والعهود ، وإن كان
ظاهر اللفظ يتناولها وصريح الكلام يتعلق بها . وذلك أيضا من جملة
المجازات المقصود بيانها في هذا الكتاب . والحثالة : الردئ
من كل شئ . وأصله ما يتهافت من قشارة التمر والشعير . يقال :
حثالة وجفالة وحفالة وجثالة ( 1 ) . فشبه عليه الصلاة والسلام
بذلك الرذال ( 2 ) الباقين من الخيار الذاهبين . وهذا أيضا داخل
في باب المجاز ( 3 ) .
37 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقد خرج ذات
هامش
( 1 ) الجفالة : القشارة ، جفله : قشره ، والجثالة : ما تناثر من ورق الشجر ،
والحفالة : هي الحثالة ، وقد سبق بيانها ، وهذه الألفاظ كلها تدور على معنى
النفاية والردئ .
( 2 ) الرذال : الدون الخسيس والردئ من كل شئ .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية : حيث شبه فساد أمر الدين وعدم ثباته في نفوس
الناس باضطراب الخاتم في اليد ، أو باضطراب الانسان وقلقه وذهابه ومجيئه بجامع
عدم النبات في كل من المشبه والمشبه به ، ثم اشتق من اللفظ الدال على المشبه به
وهو المرج بمعنى الاضطراب مرج بمعنى فسد ولم يثبت على طريق الاستعارة التبعية .