العاملين بشرائعه والقائمين بوظائفه ، لا أنه والعياذ بالله تمحى سماته ،
وتدرس آياته ( 1 ) .
14 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في ذكر الخوارج :
" يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . . " ( 2 ) الحديث
بطوله إلى قوله : قد سبق الفرث والدم . وفي هذا القول مجاز ، لأنه
عليه السلام شبه دخولهم في الدين وخروجهم منه بسرعة من غير أن
يتعلقوا بعقدته ، أو يعيقوا ( 3 ) بطينته ، بالسهم الذي أصاب الرمية ،
وهي الطريدة المرمية ، ثم خرج مسرعا من جسمها ، ولم يعلق بشئ
من فرثها ودمها ، وذلك من صفات السهم الصائب ، لأنه لا يكون
شديد السرعة إلا بعد أن يكون قوى النزعة ( 4 ) .
هامش
( 1 ) في الحديث استعارة بالكناية حيث شبه الاسلام بالانسان الذي يكون بين
غير أهله وحذفة ورمز إليه بشئ من لوازمه وهو كلمة غريب وإسناد الغربة إلى
الاسلام تخييل ، أو هو تشبيه بليغ على حد قولهم بدت قمرا ، أي بدت كالقمر في
الحسن ، وهنا يقال بدأ الاسلام غريبا أي كالشخص الغريب في تجاهله وعدم الاعتراف
به . ثم حذف وجه الشبه والأداة .
( 2 ) الحديث أخرجه أبو داود في قتال الخوارج عن أبي سعيد الخدري وأنس
ابن مالك ، وأخرجه أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود ، ورواه
البخاري ومسلم عن أبي سعيد ، وهو حديث طويل يمكن الرجوع إليه في المراجع
التي ذكرناها في باب قتال الخوارج أو في باب قسم الغنائم .
( 3 ) أي لم يلصقوا به ، ولم يقيموا عليه .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه خروج هؤلاء الناس من الدين في سرعته بخروج السهم من
مزيته ، بعد إصابته وهذا يكون في غاية السرعة لأنه لم يستقر فيها بل اخترق
جسمها من مكان الإصابة إلى مكان الخروج ، ويجوز أن يكون في يمرقون
استعارة تبعية حيث شبه الخروج من الدين بسرعة بمروق السهم من الرمية ، ثم
استعمل يمرق بمعنى يسرع على طريق الاستعارة التبعية .