257 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من قتل
تحت راية عمية ( 1 ) تغضب لغضبه وتقاتل لعصبته ( 2 ) فقتلته
جاهلية ( 3 ) " . وفي رواية أخرى : " يغضب غضبته ويقاتل
عصبته " . فقوله عليه الصلاة والسلام " تحت راية عمية " ،
مجاز لأنه جعل الراية عمية ، والمراد الحرب التي رفعت تلك الراية
فيها ، وإنما حسن وصفها بالعمى وهو في الحقيقة للحرب ، لان الراية
علم لها ، ودليل عليها ، والحرب العمية هي المشتبهة التي لا يهتدى فيها
إلى القصد ، ولا يتبين فيها وجه الرشد ، فهي كالعمياء التائهة ،
والعشواء الخابطة ، ومن ذلك قولهم : نحن في عمياء ، إذا كانوا في أمر
مختلط ، أو على رأى مشتبه ، وربما روى لفظ الخبر على الإضافة ،
وذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " تحت راية عمية " كأنه قال :
تحت راية حرب عمية ، والمعنيان متقاربان ( 4 ) .
هامش
( 1 ) العمية : بكسر العين وضمها وتشديد الميم والياء . والكبر والضلال .
( 2 ) العصبة هنا : قوم الرجل الذين يتعصبون له .
( 3 ) أي لا ثواب له فيها ويعاقب عليها ، وهذا تنفير عن فعل مثل هذا العمل
والمعنى من حارب بسبب الكبر والضلال والتعصب لقومه فقتل كانت نفسه هدرا
وكان فعله مذموما لا ثواب له فيه ، بل عليه عقاب وله عذاب .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث مجاز مرسل حيث نسب الكبر والضلال للراية ، وليست هي صاحبة
الكبر والضلال ، وإنما الحرب هي صاحبتهما ، ولكن الراية دليل الحرب
والعلامة عليها ، فكأنها سببها .