من تصريف إرادته ( 1 ) ، ولو لم يكن هؤلاء المذكورون في الخبر
قادرين على الانفصال من فعل المنكر لما كانوا على مواقعته
مذمومين ، وبجريرته مطالبين ( 2 ) ، وذلك أوضح من أن نستقصي
الكلام فيه ، ونستكثر من الحجاج عليه ( 3 ) .
255 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " أمرت ( 4 )
بقرية تأكل القرى تنفى الخبث ( 5 ) كما ينفى الكير خبث
الحديد " يريد عليه الصلاة والسلام الهجرة إلى المدينة ، فقوله :
" أمرت بقرية تأكل القرى " مجاز ، والمراد أن أهلها يقهرون أهل
هامش
( 1 ) أي أن مريد الاجتماع بإنسان يستطيع تصريف إراداته ، وتغييرها حتى
يمكنه الاجتماع به .
( 2 ) أي لو كان فاعلوا المنكر لا يستطيعون حقيقة الابتعاد عنه بمقتضى طبيعتهم ،
لما كان عليهم إثم في فعله ، ولم يلحقهم ذم في ملازمته . لان الله تعالى عادل لا يعاقب
على ذنب يجبر الانسان على فعله .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه المعروف والمنكر بخليفتين ، والخليفة هو
السلطان الأعظم ، ينصبان للناس أي يكون كل منهما خليفة عليهم ، فأحدهما وهو
المنكر يطرد الناس عنه ، ووجه الشبه الاعتراف والمتابعة والاقبال . ففي الخلافة
تبعية وإقبال ، وفي المعروف والمنكر إقبال ووفاق كما في التبعية ، وحذف وجه
الشبه والأداة ، وفيه أيضا استعارة تبعية ، حيث شبه حالة المنكر وما عليه من
وعيد وتهديد ، وذم وعذاب ، بالقول الذي يدل على الامر بالابتعاد عنه ، فشبهت
دلالة الحال بدلالة المقال ، واشتق من القول بمعنى الدلالة ، يقول بمعنى يدل ، على طريق
الاستعارة التبعية .
( 4 ) أمرت بقرية : أي بسكنى قرية أو بالهجرة إلى قرية .
( 5 ) الخبث : القذر والوسخ والضرر .