209 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " تمسحوا
بالأرض فإنها بكم برة " ، وهذه استعارة ، والمراد بقوله : " فإنها
بكم برة " يرجع إلى أنها كالأم للبرية لان خلقهم ومعاشهم عليها ،
ورجوعهم إليها ، فلما كانت الأرض تسمى أما لنا من الوجوه التي
ذكرناها كان قوله عليه الصلاة والسلام : " فإنها بكم برة " يرجع
إلى وصفها بالأمومة ، لأنهم يقولون : الأرض ولود ، يريدون كثرة
إنشاء الخلق واستيلادهم عليها . وقال ذو الرمة في وصف الام بالبر ،
وهو يذكر فراخ النعام :
جاءت من البيض زعرا لا لباس لها *
إلا الدهاس وأم برة وأب ( 1 )
والدهاس : الرمل . ولقوله عليه الصلاة والسلام : " تمسحوا
بالأرض " وجهان :
( أحدهما ) أن يكون المراد التيمم منها في حال الطهارة وحال الجنابة .
( والوجه الآخر ) أن يكون المراد مباشرة ترابها بالجباه في حال
هامش
( 1 ) الزعر : جمع زعراء ، وهي قليلة الريش ، والدهاس : النبات الذي لم
يخضر بعد ، شبه الريش القليل الذي لم يتلون بالنبات الذي لم يخضر . والمعنى أن
فراخ النعام خرجت من البيض بعد فقسها قليلة الريش ، لا يكسوها إلا الريش الذي
لم يصل إلى درجة التلون وعطف أمها وأبيها . ويجوز أن يكون المراد بالدهاس
الرمل كما قال الشريف ، فتكون فراخ النعام بعد فقسها اختلطت أجسادها برمل
المكان الذي ولدت فيه .