قذفوه فيها " . فوصف الفتنة بالعماء والصمم مجاز ، والمراد أن أهلها
عمى عن المراشد ، صم عن المواعظ ، فلما كانت الفتنة سببا لعماهم
وصممهم جاز أن ينسب العمى والصمم إليها دونهم . وقد يجوز
أيضا أن يكون المراد أنها تعمى الابصار برهج غبارها ، وتصم
الاسماع بزجل ( 1 ) أصواتها ، والقول الأول أقرب إلى الصواب ،
وأشبه بمقاصد الكلام ( 2 ) .
199 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لرجل حلب
ناقة : " دع داعى اللبن " وهذه استعارة ، والمراد أمره أن يبقى
في خلف ( 3 ) الناقة شيئا من لبنها من غير أن يستفرغ جميعه ، لان
ما يبقى منه يستنزل عفافتها ( 4 ) ، ويستجم ( 5 ) درتها ، فكأنه يدعو
هامش
( 1 ) الزجل : الجلبة وارتفاع الأصوات .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارتان تصريحيتان ، حيث شبه الحقد الذي يكون بين المتهادنين
بالدخان الذي يدل على النار ، بجامع دلالة كل منهما على ما بعده ، فالحقد يدل على
نقض الهدنة ، والدخان يدل على اشتعال النار ، وحيث شيه الشك الذي بين المجتمعين
بالقذى الذي يكون في العين وهي مغمضة عليه غير ظاهر ، بجامع الافساد في كل ،
فالقذى يفسد العين ، والشك يفسد الاجتماع ويسبب الفرقة .
وفيه مجاز مرسل ، حيث استعمل عمياء وصماء ، وهو وصف الفتنة في الناس ،
لان الفتنة سببه ، فإسناد عمياء وصماء إلى ضمير الفتنة مجاز مرسل علاقته السببية .
( 3 ) خلف الناقة : بكسر الخاء وسكون اللام ، ثديها .
( 4 ) العفافة : بقية اللبن في الضرع بعد ما حلب أكثره .
( 5 ) يستجم درتها : يكثر إدرارها وإنزالها للبن .