أن تكون مقصورة على الأعضاء المباشرة للذنوب ، وإنما المعاقب
بها جملة الانسان ، ولو كان الامر على ما ظنه لكان الزاني إذا زنى
غير محصن يضرب ذكره ، والقاذف إذا قذف يجلد لسانه ، لأنهما
واقعا المعصية وباشرا الخطيئة . فلما رأينا هذين المذنبين يعاقب منهما
غير المواضع التي باشرت الذنب وواقعت الجرم ، علمنا أن المقصود
بالعقوبة جملة الانسان دون أعضاء الجسم ، فأما يد السارق فلم تكن
علة قطعها أنه باشر بها السرقة ، ألا ترى أنه لو دخل حرزا فأخرج
منه بفمه دون يده ما يجب في مثله القطع قطعت يده ، ولم يعتبر أخذه
الشئ المسروق بفمه . وأيضا فلو أخذ في أول مرة بيده اليسرى
قطعت يده اليمنى ، وإذا سرق ثانية بعد قطع يده اليمنى قطعت رجله
اليسرى ولم تقطع يده اليسرى وإن باشر السرقة بها . وذلك على
مذهب من يرى استيفاء الأعضاء الأربعة في تكرير السرقة وهو
مذهب الشافعي ، فبان أنه لا يعتبر بقطع ما باشر أخذ السرقة من
أعضاء الانسان ، وسقط ما اعتمد عليه ابن قتيبة من تشقيق ( 1 )
الكلام ( 2 ) .
هامش
( 1 ) يقال شقق الكلام : أخرجه أحسن مخرج ، والمراد ما اعتمد عليه ابن
قتيبة من إخراج الكلام مخرجا حسنا يأخذ بالباب سامعه .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الكلام الذي لا يبدأ فيه بالحمد ، بالشخص
الأقطع المقطوع اليد ، بجامع النقصان في كل ، وحذف وجه الشبه والأداة .