وتؤمن مساربه ( 1 ) ، فإن أخيف سربه ، ورنق ( 2 ) شربه ، وضيعت
قواصيه ( 3 ) ، واعتميت ( 4 ) مقاربه ، كان خليقا بأن ينتقل ، وجديرا
بأن يستبدل ، فكذلك النعم إذا لم يجعل الشكر قرى نازلها ،
والحمد مهاد منزلها ، كانت وشيكة بالانتقال ، وخليقة بالزيال ( 5 ) .
وفى رواية أخرى : أحسنوا جوار نعم الله فإنها وحشية . وباقي
الخبر على لفظه . فعلى هذه الرواية كأنه عليه الصلاة والسلام شبه النعم
بأوابد الوحش ( 6 ) التي تقيم مع الايناس ، وتنفر مع الايحاش ، ويصعب
رجوع شاردها إذا شرد ، ودنو نافرها إذا بعد ( 7 ) .
هامش
( 1 ) السرب : القطيع من الظباء والنساء وغيرهما ، والطريق والبال والقلب
والنفس ؟ ، والمراد هنا قطيعه الذي يرعى في مساربه .
( 2 ) رنق : أي كدر ، والشرب : الماء الذي يشرب منه ، أي كدر ماؤه
الذي يرده الشرب .
( 3 ) القواصي جمع قاصية : وهي البعيدة ، والمراد بتضييع القواصي عدم المحافظة
على ما يغيب عنه من ماله .
( 4 ) يقال اعتمى واعتام : بمعنى قصد واختار ، والمقارب جمع مقربة : أي
ماله القريب ، أي استصفى ماله القريب ولم يرد عليه ماله البعيد .
( 5 ) الزيال : أصله الزئال أو الزول ، مصدر زال يزول . ثم سهلت الهمزة
إلى الياء وقلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة وقد أعلت في الفعل .
( 6 ) الأوابد جمع آبد : وهي الحيوانات المتوحشة .
( 7 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة بالكناية ، حيث شبه نعم الله بالحيوانات التي يمكن استئناسها
وحذفها ورمز إليها بشئ من لوازمها وهو النفار المعبر عنه بنفرت بجامع بقائها إذا
أدى شكرها وذهابها إذا أنكر جميلها ، وفى نفرت استعارة تبعية ، حيث شنه
الذهاب بالنفار بجامع البعد والزوال في كل واشتق من النفار بمعنى الذهاب نفرت بمعنى
ذهبت وزالت على طريق الاستعارة التبعية وإسناد نفرت إلى ضمير النعم ترشيح .