154 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " الكلمة
الحكيمة ضالة الحكيم حيثما وجدها فهو أحق بها " ، وهذه
استعارة . وذلك أنه عليه الصلاة والسلام جعل الكلمة الحكيمة
للحكيم بمنزلة الضالة التي هو ناشد لها ، وساع في طلبها ، لأنها أشبه
بحكمته ، وأولى بالانضمام إلى أخواتها في قلبه ، فحيثما سمعها من قائل
حكيم أو مرشد غير رشيد ، فهو أحق بالحيازة لها والغلبة عليها .
ويشهد بذلك ما روى في الحديث الآخر : " إن الكلمة الحكيمة
تكون في قلب المنافق ، فلا تزال تنزع حتى تلحق بصواحباتها
في قلب المؤمن " ، فكأنها جعلت في قلب المنافق بمنزلة الغريبة التي
هي في غير وطنها ، ومع غير أهلها ، وجعلت في قلب المؤمن بمنزلة
المستقرة في الوطن ، والساكنة إلى السكن . وهذه أيضا استعارة
أخرى ( 1 ) .
155 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في خطبة له :
" إلا وإن الدنيا قد ارتحلت ( 2 ) مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتحلت
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ حيث شبه الكلمة الحكيمة بالدابة الضالة التي ينشدها صاحبها
ويطلب ردها عليه في أنه أولى بها وأحق وأنه صاحبها ، وحذف وجه الشبه والأداة .
( 2 ) قد ارتحلت ركبت الراحلة والمراد هنا قاربت على الانتهاء ، وكذا يقال
في ارتحلت مقبلة .