ففي مكة كانت الحنيفية محدودة العناصر ، في أفراد يشار إليهم بعدد
الأصابع ، بينهم آباء النبي صلى الله عليه وآله وأمهاته ، كانوا أسبق المتدينين إلى
اعتناق الإسلام .
إلا أن أهل الديانات الأخرى تلكؤوا في الالتحاق بالدين الجديد ، اعتزازا
بمواقعهم ، أو اغترارا بما عندهم ، ولم يقفوا من الإسلام موقفا يتحلى بالإنصاف .
بينما كان المتوقع أن يبتهجوا بهذه الحركة الإلهية الجريئة التي قام بها نبي
الإسلام ، مقتحما حصون الجاهلية العربية بما فيها من جهل وشرك وفساد ، مناديا
في ديارها بالتوحيد والإيمان ، متحملا كل الأخطار والأهوال في هذا السبيل ،
واضعا لحياته في مهب حقدهم وعدوانهم وهجماتهم العسكرية ، وهو يدعو
إلى ما يلتزمون به ويؤكد على أصول عقائدهم وقضاياهم .
ومن جانب أخر ، فإن كتبهم السماوية مشحونة بالتبشير به ، فما أحسن
هذه الفرصة ، كي يلتفوا حوله ، ويتكاتفوا معه ليزيحوا الجاهلية بكفرها وعتوها
وفسادها من الأرض ويثبتوا ( كلمة الله العليا ) وينشروا الهداية .
لكنهم - أي أهل الكتاب - بدلا من ذلك ، اتخذوا مواقف عدائية ضد
الإسلام ، بل ، تواطؤوا مع أهل الكفر والشرك ، ضد الإسلام ونبيه الكريم صلى
الله عليه وآله !
ومع كل هذه التصرفات المنافية لأبسط قواعد الحق ، وأوضح مسائل
التدين ، فإن الإسلام ، وعلى صفحات قرآنه ، ولسان نبيه ، لم يعامل أهل الكتاب
إلا بشكل متميز .
فقد فتح أمامهم أبواب الحوار الفكري والعقيدي ، ودعاهم إلى
( كلمة سواء ) .
تحريم ذبائح أهل الكتاب — صفحة 4
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٤