التزلّف إلى المنافقين الظالمين ، لكانت له الحظوة والمنزلة والكرامة عندهم ، لكنّه أبى إلّا العمل بقوله تعالى : «
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
» « 1 » ، فهجا أعداء اللّه كما مدح أولياءه ، وقاسى أهوال الرعب والخطر ، وتكتّم هاربا بدمه ، ولم يثنه ذلك عمّا هو فيه من تعظيم أولياء اللّه وتنقيص أعدائه ، وكان يقول : لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أدور على من يصلبني عليها « 2 » .
ومن جملة ما قاله في أهل البيت وأعدائهم :
وليس حيّ من الأحياء نعلمه * من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
إلّا وهم شركاء في دمائهم * كما تشارك أيسار « 3 » على جزر
قتل وأسر وتحريق ومنهبة * فعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أربع بطوس على قبر الزكيّ إذا * ما كنت تربع من دين على وطر
قبران في طوس خير الناس كلّهم * وقبر شرّهم هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكيّ ولا * على الزكيّ بقرب الرجس من ضرر
هيهات كلّ امرئ رهن بما كسبت * له يداه فخذ ما شئت أو فذر « 4 »
أراد بالزكيّ أبا الحسن الرضا ، وهو الذي عناه بقوله : « خير الناس كلّهم » وأراد بالآخر هارون الرشيد ، وقبرهما متجاوران في طوس ، وإنّما استباح ما قاله في هارون بما ارتكبه من الظلم والاستبداد وقتل النفوس المحترمة ، حتّى حبس
هامش
( 1 ) - . المجادلة 22 : 58 .
( 2 ) - . الأغاني 121 : 20 ، أخبار دعبل بن عليّ ونسبه .
( 3 ) - . جمع يسر ، وهم المجتمعون على الميسر .
( 4 ) - . الأغاني 180 : 20 ، أخبار دعبل بن عليّ ونسبه .