فمنهوم باللذات ( 1 ) ، سلس القياد للشهوات ، أو مغرى بالجمع والادخار ،
ليس من رعاة الدين ، أقرب شبها بهؤلاء الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم
بموت حامليه .
اللهم بلى لا تخلي الأرض ( 2 ) من قائم بحجة ظاهر مشهور ، أو مستتر
مغمور ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ، فإن أولئك الأقلون ( 3 ) عددا
الأعظمون خطرا ، بهم يحفظ الله حججه حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها
في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقائق الأمور ، فباشروا روح اليقين ،
واستلانوا ما استوعره المترفون ( 4 ) ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ،
صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في
أرضه ، والدعاة إلى دينه .
هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم ، وأستغفر الله لي ولكم . ثم نزع يده من يدي
وقال : انصرف إذا شئت ( 5 ) .
هامش
( 1 ) أي لما لم يكن ذانك الفريقان أهلا لتحمل العلم فلا يبقى إلا من هو منهوم باللذات ،
سلس القياد للشهوات ، أو مغرى بالجمع والادخار . والمنهوم : الحريص والذي لا يشبع
من الطعام . وسلس القياد : أي سهل الانقياد . ومغري من الاغراء ، وفي النهج :
" مغرما " أي مولعا .
( 2 ) كذا في نسخ الكتاب والظاهر أنه تصحيف لأن كلمة " اللهم " للاستدراك
لا للنداء حتى تكون جملة " لا تخلي " مخاطبا مع الله تعالى ، والصواب كما في سائر
نسخ الحديث : " لا تخلو الأرض " .
( 3 ) كذا في الخطية ، وفي سائر النسخ : " وكم ذا وأين ؟ أولئك [ والله ] الأقلون
عددا الأعظمون خطرا " .
( 4 ) الروح بالفتح : الراحة والرحمة والنسيم ، أي وجدوا لذة اليقين . والوعر
من الأرض : ضد السهل ، والمترف : المتنعم ، أي استسهلوا ما استصعبه المتنعمون من
رفض الشهوات وقطع التعلقات .
( 5 ) قال ابن أبي الحديد : ثم قال لكميل : انصرف إذا شئت ، وهذه الكلمة من
محاسن الآداب ومن لطائف الكلم ، لأنه لم يقتصر على أن قال انصرف ، كيلا يكون
أمرا أو حكما بالانصراف لا محالة فيكون فيه نوع علو عليه ، فاتبع ذلك بقوله " إذا شئت "
ليخرجه من ذل الحكم وقهر الأمر إلى عزة المشيئة والاختيار ا ه .
والخبر مروي في الغارات ج 1 ص 148 ، والتحف ، والخصال وكمال الدين
وأمالي الطوسي والنهج باختلاف في الألفاظ ونقله البحار في كتاب فضل علمه وشرحه شرحا
وافيا .