شرح
إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والايمان بإرادته تعالى التي لا تكاد
تتخلف عن المراد فلا يصح أن يتعلق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر
فيه عقلاً .
قلت : إنّما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقةً بمقدّماتها
الاختيارية وإلاّ فلا بدّ من صدورها بالاختيار ، وإلاّ لزم تخلّف إرادته عن مراده ،
تعالى عن ذلك علواً كبيراً .
إن قلت : إنّ الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما إلاّ
أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف وقد سبقهما الإرادة الأزلية والمشيئة
الإلهية ، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار .
قلت : العقاب إنّما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدّماته
الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللاّزمة لخصوص ذاتهما ، فانّ السعيد سعيد في بطن
أُمّة ، والشقي شقي في بطن أُمّة ، والناس معادن كمعادن الذهب والفضّة كما في الخبر
، والذاتي لا يعلل ، فانقطع سؤال إنّه لم جعل السعيد سعيداً ، والشقي شقياً ، فانّ
السعيد سعيد بنفسه ، والشقي شقي كذلك ، وإنّما أوجدهما الله تعالى ( 1 ) . [ ( 1 ) كفاية الأُصول : 67 . ]
نلخّص كلامه ( قدس سره ) في عدّة نقاط :
الأُولى : أنّ الإرادة التكوينية علّة تامّة للفعل ويستحيل تخلفها عنه .
الثانية : أنّ إرادة العبد تنتهي إلى الإرادة الأزلية بقانون أنّ كل ما بالغير
ينتهي بالأخرة إلى ما بالذات .
الثالثة : أنّ إرادته تعالى من الصفات العليا الذاتية كالعلم والقدرة وما شاكلهما .