والوجه في ذلك : أنّ حقيقة الإجارة هي تبديل منفعة معلومة بعوض معلوم فلا بدّ من وصول المنفعة إلى المستأجر ، لأنّه الدافع للعوض المعلوم ، وإلاّ انتفت حقيقة الإجارة ، إذ يعتبر في التبديل أن يقوم كل من العوض والمعوّض مكان الآخر بحيث يدخل كل منهما في المكان الذي خرج منه الآخر ، وسيأتي اعتبار ذلك أيضاً في حقيقة البيع .
وفي البلغة أنّ الإجارة بدون هذا الشرط سفهية ، وأكل للمال بالباطل ، ولذا لا تصحّ الإجارة على الأفعال العبثية ، وإبداء الحركات اللاغية ، كالذهاب إلى الأمكنة الموحشة ، ورفع الأحجار الثقيلة ( 1 ) ، انتهى ملخّص كلامه .
والتحقيق أن يقال : إنّ حقيقة الإجارة لا تقتضي إلاّ دخول العمل في ملك المستأجر قضاءً لقانون المبادلة ، وأمّا كون المنفعة راجعة إليه فلا موجب له .
وأمّا حديث سفهية المعاملة فيرد عليه أولا : أنّك قد عرفت مراراً ، وستعرف في مبحث البيع إن شاء الله ( 2 ) أنّه لا دليل على بطلان المعاملة السفهية ، وإنّما الدليل على بطلان معاملة السفيه ، والدليل هو كونه محجور التصرّف في أمواله .
وثانياً : قد تقدّم في البحث عن بيع الأبوال ( 3 ) وغيره - وسنعود إليه في مبحث البيع ( 4 ) - أنّ آية التجارة ( 5 ) غريبة عن شرائط العوضين ، بل هي راجعة إلى حصر أسباب المعاملة في الصحيح والباطل . هذا مع أنّ الدليل أخصّ من المدّعى ، فإنّ
هامش
( 1 ) بلغة الفقيه 2 : 8 - 9 .
( 2 ) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 24 .
( 3 ) في ص 53 .
( 4 ) الجزء الثاني من هذا الكتاب : 102 .
( 5 ) النساء 4 : 29 .