والظاهر أنّه لا خلاف في جوازها لحفظ الجهات المهمّة الشرعية ، بل قد عرفت في مبحث الكذب عند البحث عن أقوال الأئمّة الصادرة تقية ( 1 ) إجماع الفريقين وضرورة العقلاء وتظافر الآيات والروايات على جواز الكذب لإنجاء النفس المحترمة .
على أنّه ورد في بعض الأحاديث : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقية » ( 2 ) فإنّ الظاهر من ذلك أنّه إذا توقّف حفظ النفس على ارتكاب أي محرّم فإنّه يصبح مباحاً مقدّمة لصيانة النفس المحترمة عن التلف ، إلاّ أنّ التقية إذا اقتضت إراقة دم محترم لحفظ دم آخر فإنّها لا تشرع حينئذ ، لما عرفت آنفاً أنّ كلا من الشخصين مشمول للحديث ، فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح .
بل قد عرفت سابقاً أنّ الغرض الأقصى من جعل التقيّة في الشريعة المقدّسة إنّما هو حفظ أموال المؤمنين وأعراضهم ونفوسهم وما أشبه ذلك من شؤونهم ، فإذا توقّف حفظ شيء منها على إتلاف عديله من شخص آخر ارتفعت التقية حينئذ لارتفاع الغاية منها . ومثاله ما إذا اقتضت التقية إتلاف مال شخص لحفظ مال شخص آخر ، فإنّه لا يجوز إتلافه تقية .
والوجه فيه : أنّ شمول أخبار التقية لهما على حدّ سواء ، إذن فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح كما عرفت ، فيرجع في ذلك إلى الأدلّة الدالّة على حرمة التصرّف في مال الغير بدون إذنه ، وهكذا الحال في جميع موارد التقية ، غاية
هامش
( 1 ) في ص 627 .
( 2 ) قد تقدّمت الرواية في البحث عن الإضرار بالناس مع الإكراه عليه ص 676 .