العامّة ( 1 ) على حرمتها ، وعلى كونها من الكبائر ، بل يدلّ على حرمتها جميع ما دلّ على حرمة الغيبة . وقد استقلّ العقل بحرمتها ، لكونها قبيحة في نظره .
وأمّا الإجماع فهو بقسميه وإن كان منعقداً على حرمتها ، ولكنّ الظاهر أنّ مدرك المجمعين هو الوجوه المذكورة في المسألة ، وليس إجماعاً تعبّدياً ، وقد تقدّم نظيره مراراً .
وقد يستدلّ على حرمتها بجملة من الآيات : منها قوله تعالى : ( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) ( 2 ) بدعوى أنّ النمّام قاطع لما أمر الله بصلته ، ويفسد في الأرض فساداً كبيراً ، فتلحق له اللعنة وسوء الدار .
وفيه : أنّ الظاهر من الآية ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو توجّه الذمّ إلى الذين أُمروا بالصلة والتوادد فأعرضوا عن ذلك . ومن هنا قيل ( 3 ) : إنّ معنى الآية أنّهم أُمروا بصلة النبي والمؤمنين فقطعوهم ، وقيل : أُمروا بصلة الرحم والقرابة فقطعوها ، وقيل : أُمروا بالإيمان بجميع الأنبياء والكتب ففرّقوا وقطعوا ذلك ، وقيل : أُمروا أن يصلوا القول بالعمل ففرّقوا بينهما .
وقيل : معنى الآية أنّهم أُمروا بوصل كل من أمر الله بصلته من أوليائه والقطع والبراءة من أعدائه ، وهو الأقوى ، لأنّه أعم ، ويدخل فيه جميع المعاني . وعلى كل حال فالنمّام لم يؤمر بالقاء الصلة والتوادد بين الناس لكي يحرم عليه قطع ذلك . فالآية غريبة عنه .
هامش
( 1 ) راجع سنن البيهقي 10 : 246 .
( 2 ) الرعد 13 : 25 .
( 3 ) راجع مجمع البيان 1 : 170 .