الوعد فإنّه يتحقّق بأحد أُمور ثلاثة :
الأول : أن يخبر المتكلّم عن عزمه على الوفاء بشيء ، كأن يقول لواحد : إنّي عازم على أن أعطيك درهماً ، أو إنّي ملتزم بالمجيء إلى ضيافتك ، أو على إعظامك وإكرامك . ولا شبهة في كون هذا من أفراد الخبر ، غاية الأمر أنّ المخبَر به من الأفعال النفسانية ، أعني العزم على الفعل الخارجي ، نظير الإخبار عن سائر الأُمور النفسانية من العلم والظنّ والشكّ والوهم . وعليه فإن كان حين الإخبار عازماً فهو صادق ، وإلاّ فهو كاذب ، فتشمله أدلّة حرمة الكذب ، ويكون خارجاً عن المقام .
الثاني : أن ينشئ المتكلّم ما التزمه بنفس العلّة التي تكلّم بها بأن يقول : لك عليّ كذا درهماً أو ديناراً أو ثوباً ، ونظيره صيغ النذر والعهد كقولك : لله عليَّ أن أفعل كذا . ولا ريب أنّ مثل هذه الجمل إنشائية محضة ، فلا تتّصف بالصدق ولا بالكذب بالمعنى المتعارف ، بل الصدق والكذب في ذلك بمعنى الوفاء بهذا الالتزام وعدم الوفاء به .
الثالث : أن يخبر المتكلّم عن الوفاء بأمر مستقبل ، كقوله : أجيئك غداً ، أو أُعطيك درهماً بعد ساعة ، أو أدعوك إلى ضيافتي بعد شهر . وهذه جمل خبرية بالحمل الشائع ، ولكنّها مخبرة عن أُمور مستقبلة ، كسائر الجمل الخبرية الحاكية عن الحوادث الآتية ، كالإخبار عن قدوم المسافر غداً ، وعن نزول الضيف يوم الجمعة وعن وقوع الحرب بين السلاطين بعد شهر . ولا شبهة في اتّصاف هذا القسم من الوعد بالصدق والكذب ، فإنّها عبارة عن موافقة الخبر للواقع وعدم موافقته له من غير فرق بين أنواع الخبر ، وهو واضح .
وأمّا حرمة الكذب هنا فإنّ تنجّزها يتوقّف على عدم إحراز تحقّق المخبَر به في ظرفه ، فيكون النهي عنه منجّزاً حينئذ . وأمّا لو أحرز حين الإخبار تحقّق الوفاء بوعده في ظرفه ، ولكن بدا له ، أو حصل له المانع من باب الاتّفاق ، وأصبح مسلوب
مصباح الفقاهة في المعاملات تقريرا لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي — صفحة 596
مساهمون: الشيخ ميرزا محمد علي التوحيدي التبريزي
ص٥٩٦