وقد يقال بتقديم قول من يدّعي الصحة . وهو مشكل ، إذ مورد الحمل على الصحّة ( 1 ) ما إذا علم أنهما أوقعا معاملة معينة واختلفا في صحّتها وفسادها ، لا مثل المقام الذي يكون الأمر دائراً بين معاملتين على إحداهما صحيح وعلى الأُخرى باطل ، نظير ما إذا اختلفا في أنهما أوقعا البيع الصحيح أو الإجارة الفاسدة مثلًا . وفي مثل هذا مقتضى القاعدة التحالف . وأصالة الصحّة لا تثبت كونه بيعاً مثلًا لا إجارة ، أو بضاعة صحيحة مثلًا لا مضاربة فاسدة .
شرح
وعلى هذا فالعامل هو المدّعى ، والمالك هو المنكر .
وأوضح من هذا ما لو ادّعى أحدهما البضاعة والآخر المضاربة الفاسدة ، بناءً على ما اختاره ( قدس سره ) من ثبوت أُجرة المثل للعامل في كلا الفرضين ، مع كون الربح بتمامه للمالك . فإنه لا وجه لجعله من موارد التداعي ، إذ لا نزاع بينهما بالمرة ، لاتفاقهما على ثبوت الربح للمالك واستحقاق العامل أُجرة المثل على التقديرين ، فليس هناك نزاع بينهما إلَّا في الصورة ، وإلَّا فليس في الواقع مدّعٍ ومنكر .
نعم ، بناءً على ما اخترناه من عدم استحقاق العامل الأُجرة في البضاعة ، فلو ادّعى العامل المضاربة الفاسدة والمالك البضاعة ، كان العامل هو المدّعى والمالك منكراً ، لأنه لا يلزمه بشيء ، ولا تصل النوبة إلى التداعي .
( 1 ) على ما تقدّم بيانه منّا غير مرّة ، فإنّ أصالة الصحّة تجري في موردين :
الأوّل : حمل فعل المؤمن على الصحّة وأنه لا يرتكب فعلًا على خلاف وظيفته والأصل في هذا المورد ثابت بدليل لفظي ، وأنه لا ينبغي أن يُتَّهم بل ينبغي حمل فعله على أحسنه .
ومن هنا فلا يختلف الحال فيه بين إحراز عنوان العمل وعدمه . فلا فرق في وجوب الحمل على الصحّة بهذا المعنى ، بين أن يرى مفطراً في شهر رمضان مع احتمال كونه مسافراً أو مريضاً ، فيحمل عمله على الصحّة ولا يتهم بالإفطار في شهر رمضان عمداً ، وبين ما لو صدر منه كلام مردد بين الشتم والسلام ، فيحمل على الصحيح ولا يظن به السوء .