شرح
فربّما يقال بأنّها معارضة لما سبق ، لدلالتها على أنّ السماء إذا لم تكن فيها علَّة لا تقبل شهادة الاثنين حينئذٍ ولا الأكثر .
ولكن التأمّل يقضي بعدم المعارضة ، لأنّها بصدد بيان عدم جواز العمل بالظنّ كما عنون ( عليه السلام ) كلامه بذلك ، فالمقصود إنّما هو المنع عن التظنّي في فريضة رمضان ولزوم تحصيل العلم ، ولذا لم تفرض العدالة في الأقلّ من الخمسين ، ولا بدّ من حمل هذا العدد على المثال ، وإلَّا فلا يمكن أن يقال : إنّ الخمسين يوجب العلم ، وتسعة وأربعين لا يوجبه ، فالمراد التمثيل بعدد يستوجب حصول العلم عادةً .
وكيفما كان ، فهي مسوقة لبيان عدم حجّيّة الظنّ ، لا عدم حجّيّة البيّنة ، فلا تنافي دليل اعتبارها بوجه .
وممّا يؤكَّد ذلك أنّه ( عليه السلام ) حكم بقبول الشهادة إذا كانت في السماء علَّة فيما إذا قدم الشاهدان من خارج المصر ، إذ نسأل حينئذٍ : أنّ المحلّ الذي يقدم الشاهدان منه هل في سمائه أيضاً علَّة أو لا ؟ فعلى الأوّل كان حاله حال البلد فكيف لا تقبل شهادة الرجلين من البلد وتقبل من خارجه ؟ ! وعلى الثاني وهو المتعيّن يلزمه قبول الشاهدين من البلد أيضاً إذا لم يكن في سمائه علَّة ، إذ التفكيك بينهما بقبول شاهدي الخارج دون الداخل مع تساويهما في عدم العلَّة غير قابل للتصديق .
فلا تعارض الصحيحة حجّيّة البيّنة أبداً ، بل تؤكَّدها حسبما عرفت .
ولو تنازلنا وسلمنا المعارضة فحيث لا يمكن حمل نصوص الحجّيّة على ما إذا كانت في السماء علَّة وكانت البيّنة من الخارج ، للزوم التخصيص بالفرد النادر كما لا يخفى ، فلا مناص من التساقط ، والمرجع بعدئذٍ إطلاقات حجّيّة البيّنة العامّة .