فأكلت من لحومهم ، وشربت من دمائهم ، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون ، وضمارا لا يوجدون . . . .
ولئن بليت « 1 » آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلّموا من غير جهات النطق ، فقالوا : كلحت الوجوه النواضر ، وخوت الأجسام النواعم ، ولبسنا أهدام البلى ، وتكاءدنا ضيق المضجع ، وتوارثنا الوحشة ، وتهكّمت علينا الربوع الصموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكّرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق مخرجا « 2 » » « 3 » .
وتاللّه لا يفرج الكرب ، ولا يؤنس الوحشة إلّا شفاعة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وأوصيائه عليهمالسلام ، وباللّه لترونّ أمير المؤمنين عليه السلام واقفا على شفير قبوركم يعلّمكم جواب منكر ونكير ، وليبدّلنّ اللّه وحشتكم بواسطته انسا ، وخوفكم برؤيته أمنا ، وليدخلنّ عليكم السرور في أجداثكم ، ولتقومنّ يوم القيامة سيّدة نساء العالمين عليها السلام مقاما تغبطون عليه وتدخلون به الجنّة . . . فحقيق علينا أن نشاركها في مصيبتها التي أرزأت جبرائيل ، ونواسيها في رزيّتها التي عظمت على الربّ الجليل .
فيا ليت لفاطمة وأبيها عينا تنظر إلى بناتها وبنيها ، وهم ما بين مسلوب وجريح ، ومأسور وذبيح ، وبنات الوحي والنبوّة يطاف بهنّ من بلد إلى بلد حتّى وردوا بهنّ الشام ، فلمّا قربوا من دمشق دنت امّ كلثوم من شمر - لعنه اللّه - فقالت له : لي إليك حاجة .
قال : ما حاجتك ؟
هامش
( 1 ) - . في المصدر : « عميت » بدل « بليت » .
( 2 ) - . في المصدر : « متّسعا » بدل « مخرجا » .
( 3 ) - . نهج البلاغة : 457 - 462 ، الكلام 221 .