أأطمع « 1 » أن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات ، كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، والمرسلة شغلها تقمّمها ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ، . . .
وكأ نّي بقائلكم يقول : إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب ، فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ، ومنازلة الشجعان . ألا وإنّ الشجرة البرّيّة أصلب عودا ، والرواتع الخضرة أرقّ جلودا ، والنابتات العذية أقوى وقودا وأبطأ خمودا . وأنا من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كالضوء من الضوء ، والذراع من العضد . واللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها » « 2 » .
بأبي أنت وامّي كم تظاهرت العرب على قتالك ، فظهرت عليها «
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
» « 3 » بعليّ أمير المؤمنين وسيّد المجاهدين .
وهل الجهاد لأحد من الناس إلّا له ؟ وهل قامت دعائم الدين ، أو رست قواعد الشرع ، أو علت كلمة التوحيد إلّا بجهاده ؟
وهل شهد التنزيل لغيره بأ نّه شرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه ؟
وهل باهى اللّه - عزّ وجلّ - ملائكة السماء ليلة المبيت على فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بغيره ؟
وهل تولّى خدمة النبيّ وجميع بني هاشم أيّام حصرهم في الشعب غيره ؟
وهل قاسى الخطر ولاقى الأهوال في إيصال القوت إليهم يومئذ سواه ؟
هامش
( 1 ) - . في المصدر : « أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا . . . » بدل « أأطمع أن يقال . . . » .
( 2 ) - . نهج البلاغة : 573 - 576 ، الكتاب 45 .
( 3 ) - . الأحزاب 25 : 33 .