وبكى لبكائه ، ثمّ قال له : يا عمّ أخاف أن يطفح عليك ممّا أخبرك به .
فبكى الشيخ وقال : اللّه أكبر يا عمّ لعلّك علويّ ؟
قال : نعم يا عمّ ، ولولا أن تسألني ما أخبرتك ؛ لأنّ الرشيد ما أبقى من أهل هذا البيت أحدا إلّا قتله ، أو صلبه ، أو بدّده حتّى شرّدهم عن خيرهم .
فقال الشيخ : يا عمّاه أنت ابن من ؟
فقال : ابن الإمام موسى بن جعفر .
فلمّا سمع الشيخ ، جعل يلطم على رأسه ويقول : وا حيائي من أبيك ، لقد استخدمناك ، فاجعلني يا سيّدي في حلّ ممّا قصّرت في أمرك .
فقال القاسم : يا عمّ لا بأس عليك غفر اللّه لك .
ثمّ قال الشيخ : يا قرّة عيني أوصني بما شئت فإنّي فاعل إن شاء اللّه .
فقال : يا عمّ ، إذا أنا قضيت نحبي فغمّضني ، وشدّ لحيتي ، وغسّلني وكفّنّي وادفنّي في مكاني ، ونوّه باسمي على قبري ، وإذا خرجت إلى مكّة فاجعل طريقك على مدينة جدّي رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وخذ ابنتي وزوجتي معك ، فإذا دخلت المدينة فأطلق ابنتي هذه ، فإنّها ستأتي إلى محلّة بني هاشم ، وتأتي دارا عالية وإنّ تلك الدار هي لنا ليس فيها رجال إلّا أرامل وأيتام ؛ لأنّ الرشيد لم يدع لنا فيها أحدا ، ثمّ قضى نحبه صابرا محتسبا .
فقام الشيخ وهو ينادي : وا قاسماه ، وا غريباه ، وا ابن إماماه . ثمّ قام في تجهيزه وتكفينه ودفنه ، فلمّا كان الموسم مضى للحجّ وأخذ معه ابنته وابنة القاسم ، فقضى حجّه ومناسكه وأتى المدينة المنوّرة - على ساكنها أفضل الصلاة والتحيّة - ثمّ قال لابنته : الآن يستبين لك البرهان ، فجعلت البنت تمشي على هدوء ووقار حتّى أتت دارا عالية ، فدخلت البنت ، فما مضى قليلا إلّا وقد علا البكاء والصراخ من داخل الدار ، وارتفع الضجيج ، وبكت امّ القاسم ونادت : وا ولداه ، وا قاسماه ، وا مهجة قلباه .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة المجالس الفاخرة 316
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
صالمجالس الفاخرة ٣١٦