من يقوم مقامه في إرهاب العدوّ ، وحراسة دار الهجرة ، وحياطة من فيها ، إلّا أمير المؤمنين عليه السلام .
فاستخلفه استخلافا ظاهرا ، ونصّ عليه بالإمامة من بعده نصّا جليّا ، وذلك فيما تظاهرت فيه الرواية أنّ أهل النفاق لمّا علموا باستخلاف عليّ على المدينة حسدوه لذلك ، وعظم عليهم مقامه فيها ، وعلموا أنّها تحترس به ، وكانوا يؤثرون خروجه مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لما يرجونه من وقوع الفساد عند نأيهما عن المدينة ، وحسدوه على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله ، وتكلّف من خرج منهم المشاقّ بالسفر والخطر ، فأرجفوا به عليه السلام وقالوا : لم يستخلفه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلّا استثقالا له .
فلمّا بلغ أمير المؤمنين عليه السلام إرجافهم ، أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم ، فلحق بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : « يا رسول اللّه ، إنّ المنافقين يزعمون أنّك إنّما أخلفتني استثقالا ومقتا » .
فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « ارجع يا أخي إلى مكانك ؛ فإن المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك ، فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ؟ » « 1 » .
فتضمّن هذا القول نصّا عليه بالإمامة ، ودلّ على فضل لم يشاركه فيه أحد ، وأوجب له جميع منازل هارون من موسى إلّا ما خصّه العرف من الاخوّة ، واستثناه الرسول من النبوّة ، وقد علم كلّ الناس أنّ هارون كان أخا موسى لأبيه وامّه ، وشريكه في أمره ، ووزيره على نبوّته ، وأنّ اللّه سبحانه شدّ به أزره ، وأ نّه كان خليفته على قومه ، وأ نّه كان له فرض الطاعة عليهم ، وكان أحبّ قومه إليه وأفضلهم لديه .
هامش
( 1 ) - . راجع : خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام : 90 - 91 ؛ تاريخ الطبري 100 : 3 - 111 ، حوادث سنة 9 ؛ الإرشاد للمفيد : 156 ؛ الكامل في التاريخ 276 : 2 - 282 ، حوادث سنة 9 . للمزيد راجع الموسوعة ج 1 ، المراجعات ، المراجعة 28 .