فلمّا جعل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عليّا بمنزلة هارون من موسى ، أوجب له بذلك جميع ما عناه ، إلّا ما خصّه العرف من الاخوّة واستثناه الرسول من النبوّة .
وهذه فضيلة لم يبشّر له فيها أحد من العالمين ، ولو علم اللّه - عزّ وجلّ - أنّ للمسلمين حاجة في هذه الغزوة إلى الحرب ، لما أذن في تخلّف أمير المؤمنين عنها ، بل علم أنّ المصلحة في استخلافه ، فاستخلفه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وخرج في ثلاثين ألفا فيهم عشرة آلاف فارس « 1 » ، ووجدوا في الطريق شدّة من العطش ، ووصل إلى تبوك فأقام بضع عشرة ليلة - وقيل : عشرين يوما « 2 » - قدم عليه يحنّة [ بن رؤبة ] صاحب أيلة « 3 » ، فصالحه على الخير له ، وصالح أهل أذرح « 4 » وجرباء « 5 » عليها أيضا .
واتي ب - « أكيدر بن عبد الملك » أسيرا ، وكان ملكا على دومة [ الجندل ] ، وكان نصرانيّا ، فحقن له دمه ، وصالحه على مال راتب في كلّ سنة ، ورجع إلى قومه عزيزا « 6 » .
لعن اللّه ابن مرجانة وابن آكلة الأكباد ، هلّا فعلا باسراء أهل البيت ما فعله رسول اللّه باكيدر إذ جاءه أسيرا ، فأرجعه إلى قومه بدعة وأمان ، لم يسلب منه عزّ ولا سلطان ، وجئ بعبد اللّه بن يقطر أو قيس بن مسهر « 7 » أسيرا إلى ابن مرجانة ،
هامش
( 1 ) - . صرّح به الطبري في تاريخه 109 : 3 ، حوادث سنة 9 ، وابن الأثير في الكامل في التاريخ 281 : 2 ، حوادث سنة 9 .
( 2 ) - . حكاه الحلبي عن الدمياطي في السيرة الحلبيّة 119 : 3 .
( 3 ) - . هي مدينة على شاطئ البحر في منصف ما بين مصر ومكّة . معجم البلدان 292 : 1 ؛ معجم ما استعجم 216 : 1 .
( 4 ) - . أذرح : اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثمّ من نواحي البلقاء وعمّان مجاورة لأرض الحجاز . معجم البلدان 128 : 1 ؛ معجم ما استعجم 130 : 1 .
( 5 ) - . جرباء : هي قرية من أذرح بالشام . معجم البلدان 118 : 2 ؛ معجم ما استعجم 374 : 1 .
( 6 ) - . راجع : السيرة النبويّة لابن هشام 166 : 4 - 167 ؛ تاريخ الطبري 108 : 3 ، حوادث سنة 9 ؛ الكامل في التاريخ 280 : 2 - 281 ، حوادث سنة 9 ؛ البداية والنهاية 21 : 5 - 23 ، حوادث سنة 9 .
( 7 ) - . راجع روضة الواعظين 405 : 1 . فيه قال ابن الفتّال : « . . . بعث قيس بن مسهر الصيداوي ، ويقال بعث أخاه من الرضاعة عبداللّه بن يقطر . . . » .