شرح
وفيه أولًا : ما عرفت آنفاً من أنّ الأحكام تدريجية الحصول ، فكانت الإباحة ثابتة في بادئ الأمر وقبل بيان التحريم كما يفصح عنه قوله تعالى : * ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً . . ) * إلخ ( 1 )( 1 ) الأنعام 6 : 145 .فكان كل شيء محكوماً بالترخيص حتى يرد فيه النهي . إذن فالإباحة النعتية سابقة على التحريم فتستصحب من غير معارض له في ظرفه .
وثانياً : أنّه لا تعارض بين الأصلين المزبورين ، لعدم كون الإباحة موضوعاً لجواز الصلاة ، وإنّما الحرمة أُخذت موضوعاً لعدم الجواز وبتبعه يسند الجواز إلى الإباحة تجوزاً في الإسناد وتوسعاً في الإطلاق ، من غير أن يكون أصيلًا في الجعل كما يتضح ذلك بملاحظة الأدلَّة ، وعليه يحمل قوله ( عليه السلام ) في ذيل موثقة ابن بكير : « . . لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلَّي في غيره مما أحلّ الله أكله » حيث إنّه ( عليه السلام ) بعد أن حكم قبل ذلك بفساد الصلاة فيما حرم أكله فتفريعاً على ما سبق تقتضي طبيعة الحال إيقاع الصلاة في المحلَّل حذراً عمّا يوجب الفساد وتجنباً عنه ، من غير أن تكون موضوعية للمحلل بما هو كذلك ، فلا شأن له عدا كونه وسيلة للاجتناب المزبور .
وعليه فاستصحاب عدم الإباحة لا أثر له ، وإنّما الأثر الوحيد مترتب على استصحاب عدم الحرمة فيجري من دون معارض .
ثالثها : أنّ للحكم مرحلتين : مرحلة الجعل ومرحلة المجعول ، فإذا شك في الأوّل وكان موضوعاً للأثر جرى فيه الاستصحاب وجوداً أو عدماً ، كما أنّ الثاني لو كان له أثر وكانت له حالة سابقة كان مجرى للاستصحاب أيضاً . وأمّا الأثر المترتب على مرحلة المجعول ومقام الفعلية كاتصاف الحيوان الخارجي في المقام بعدم الحرمة على تقدير الذبح الشرعي فلا يجري فيه الاستصحاب لا بلحاظ هذه المرحلة لعدم الحالة السابقة ، ولا بلحاظ مرحلة الجعل لأنّ